قصة جسدي ليس للدود

في بعض الأحيان، لا تكون القمامة التي نحملها فوق ظهورنا هي الأثقل، بل تلك التي تتراكم في أعماق أرواحنا. وقد يقضي الإنسان عمره كله وهو يحاول تنظيف العالم من حوله، بينما ينسى أن يداوي الجراح المختبئة في داخله.
بقلم: أ . يوسف عبد الحفيظ الصويعي
القصة
كان سالم يعمل في شركة النظافة بكل جدٍ ونشاط، لا يعرف الكسل ولا الملل.
قال له المدير ذات صباح:
— يا سالم، هل تحمل رخصة قيادة؟
أجاب بثقة:
— نعم، من الدرجة الثالثة، وأجيد قيادة الآليات الثقيلة.
ابتسم المدير وقال:
— لقد وضعت يدك على ما نحتاج إليه. حاجتنا إليك في هذا الزمن ملحة. الشوارع، كما ترى، تكدست فيها القمامة حتى أصبحت كالجبال، والروائح الكريهة تنبعث منها، فتفسد صفاء الجو وتنذر بعواقب وخيمة. ابتداءً من اليوم ستتولى قيادة الجراف الأصفر ذي العجلات الكبيرة، وستبدأ بإزالة القمامة حتى يعود الشارع يلمع كالمرآة.
هز سالم رأسه بقوة، وأشرقت عيناه كمن وجد ضالته.
لم يكن الجراف مجرد آلة بالنسبة إليه، بل كان سلاحًا.
صعد إلى الكابينة، ومسح المقود بطرف قميصه، كأنه يربت على كتف صديق قديم.
أدار المفتاح.
زأر المحرك الأصفر، فاهتزت الأرض تحته وارتجفت النوافذ.
خرج إلى أول شارع.
كانت الجبال تنتظره: أكياس سوداء منتفخة، وبقايا طعام، وصناديق كرتونية مبتلة، وحتى سرير مكسور ألقي على الرصيف. وكان الذباب يحوم فوقها، فيما تخترق الروائح الكريهة الأنوف.
رفع الجراف ذراعه الحديدية، وقبل أن يهبط بها همس لنفسه:
“لن أترك للدود شيئًا.”
هبطت الكف الحديدية.
لم تكن تزيل القمامة فحسب، بل كانت تقتلع سنواتٍ من الإهمال من جذورها.
كيسًا بعد كيس…
وجبلًا بعد جبل…
وبدأ الشارع يستعيد أنفاسه.
وقف الناس عند النوافذ يراقبونه.
ونادت عجوز من شرفتها:
— يا بني، كأنك تحفر قبورنا نحن!
ابتسم سالم تحت الغبار، ولم يجب.
كان يعلم أمرًا لا يعرفه أحد.
فكل كيس يرفعه، كان يدفن معه ذكرى مؤلمة في قلبه.
منذ ذلك اليوم، لم يعد سالم يعود إلى منزله إلا ليبدل قميصه.
تشرق الشمس وهو يرفع جبال القمامة، وتغيب وهو لا يزال داخل الكابينة.
قال له المدير يومًا:
— يا سالم، دوامك ثماني ساعات فقط.
ضحك سالم، ومسح العرق الذي تحول إلى طبقة من الملح على وجهه، وقال:
— إن الدود لا يستريح ثماني ساعات، فلماذا نستريح نحن؟
أصبح ينام ساعتين فقط فوق مقعد الجراف.
وكان الحلم الوحيد الذي يراه هو نفسه هيكلًا عظميًا أبيض نقيًا، لا يبقى فيه شيء يغري الدود.
ومع مرور الأيام، أخذ يفقد من وزنه شيئًا فشيئًا.
القميص الذي كان ضيقًا أصبح واسعًا، والحزام احتاج إلى شد فتحتين إضافيتين.
أما المرآة في دورة المياه، فكانت تسخر منه كلما وقف أمامها.
غارت خداه، واتسعت عيناه، وبرزت عروق يديه كأنها جذور شجرة يابسة.
قال له أحد العمال، وهو يراه يكتفي بنصف رغيف خبز:
— يا سالم، سوف تهلك نفسك قبل أن تقضي على القمامة.
رفع سالم رأسه، ومضغ لقيماته ببطء، ثم قال:
— على العكس… أنا أحرر روحي. فكل كيلوغرام أفقده هو كيلوغرام لن يأكله الدود بعد موتي.
وفي الليل، بعدما يخمد صوت المحرك، كان يضع يده على صدره، فيشعر بأضلعه تقترب من بعضها بعضًا.
فيبتسم.
ويهمس للظلام:
“تماسكي أيتها العظام… لقد أوشكتِ. ستصبحين هيكلًا لا يشتهيه حتى الدود.”
أصبح الجراف الأصفر قبره المتحرك.
وأصبح الشارع ساحة حفره اليومية.
وكلما حفر في القمامة، كان يحفر في جسده هو.
مرت الشهور.
وأصبح سالم هيكلًا عظميًا يمشي على قدميه.
حتى الجراف الأصفر لم يعد قادرًا على احتضان جسده.
صار المقعد المعدني واسعًا عليه، والحزام يلتف حوله مرتين.
وحين رآه المدير آخر مرة، ارتعد خوفًا.
كان وجهه يشبه ورقة شجر يابسة، وغاصت عيناه في محجريهما كأنهما قبران صغيران.
قال المدير بصوت مرتجف:
— يكفي يا سالم… توقف. لقد نظفت الشارع كله. أصبح يلمع كالمرآة كما وعدتني.
مسح سالم الغبار عن لوحة القيادة، ثم ابتسم ابتسامة لم يبق فيها إلا العظم والأسنان الصفراء، وقال:
— الشارع أصبح نظيفًا يا مدير… أما أنا، فما زلت لم أنظف نفسي.
في إحدى الليالي، انطفأ المحرك أخيرًا.
لم تعد لديه قوة لرفع الجراف.
نزل من الكابينة متكئًا على الآلة نفسها.
وقف وسط الشارع النظيف الذي كان يلمع تحت ضوء القمر كالمرآة.
جلس على الرصيف.
ووضع يده على صدره.
لم يشعر بلحم…
بل بعظام تضرب عظامًا.
كانت أضلعه أشبه بقضبان قفص فارغ.
وفجأة…
رأى دودة صغيرة تخرج من شق في الإسفلت.
سارت ببطء حتى وقفت عند طرف حذائه المهترئ.
رفعت رأسها، كأنها تتحسس رائحته.
نظر إليها سالم، واتسعت عيناه بالرعب الذي لم يشعر به طوال حياته.
همس بصوت مبحوح:
— مستحيل… لقد أصبحت جلدًا على عظم… لم يبق في جسدي شيء تأكلينه.
لم تجبه الدودة.
تسللت بين أصابع قدمه العارية.
باردة…
وتحفر.
عندها أدرك سالم الحقيقة التي ظل يهرب منها طوال حياته.
وفي الصباح…
وجد المدير الجراف الأصفر واقفًا في وسط الشارع.
كان المحرك باردًا.
والكابينة خالية.
ولم يبق على المقود سوى بصمة يد نحيلة…
جلد يكسو عظمًا.
أما الشارع…
فكان يلمع حقًا…
كالمرآة.
النهاية
قصة قصيرة بعنوان: (جسدي ليس للدود) بقلم: [ أ . يوسف عبد الحفيظ الصويعي] ليبيا – طرابلس [www.youseefmham@gmail.com]






