قصة ليلة العودة

في منصة قصص لا نبحث عن الحكايات المثالية، بل عن اللحظة التي يتغير فيها الإنسان من الداخل. لحظة صادقة، هادئة، قد لا يراها أحد، لكنها تقلب مسارًا كاملًا. هذه قصة شاب لم يكن يخطط أن يتغير في رمضان، لكن رمضان خطط له بطريقة مختلفة.
القصة
كان اسمه ياسين.
لم يكن سيئًا بطبعه، لكنه اعتاد التأجيل. تأجيل الصلاة، تأجيل الاعتذار، تأجيل إصلاح ما أفسده. كان يقول دائمًا: سأرتب حياتي لاحقًا. وكان “لاحقًا” يتسع كل يوم حتى صار أكبر من أن يُمسك.
دخل رمضان ذلك العام وهو مثقل بشيء لا يعرف اسمه. ليس ذنبًا محددًا، بل شعور عام بالفراغ. يستيقظ متأخرًا، يصوم بلا تركيز، يقضي ليله في هاتفه، وينام قبل الفجر بقليل.
في إحدى الليالي، خرج بعد التراويح يمشي بلا هدف. الشوارع هادئة، والمحال نصف مغلقة، وصوت القرآن يتسلل من نافذة مسجد بعيد. توقف أمام باب المسجد للحظة. لم يدخل. اكتفى بالنظر، ثم أكمل طريقه.
في اليوم التالي حدث أمر بسيط. تلقى رسالة من صديق قديم لم يتحدثا منذ سنوات. كتب له:
“اشتقت لك. تذكرت أيامنا في المسجد قبل الفجر.”
أعاد قراءة الرسالة أكثر من مرة. تلك الأيام كانت مختلفة. كان يستيقظ مبكرًا، يضحك بلا قلق، يشعر بخفة في صدره. متى تغيّر كل ذلك؟
في الليلة نفسها، قرر أن يصلي الفجر في المسجد. لم يخبر أحدًا. لم يعلن قرارًا كبيرًا. فقط ضبط منبهه.
استيقظ بصعوبة. قاوم رغبته في إغلاق المنبه. جلس على سريره دقائق طويلة، كأن بينه وبين القيام حاجزًا غير مرئي. ثم نهض.
الهواء كان باردًا قليلًا، والسماء تميل إلى الرمادي. دخل المسجد بهدوء. لم يكن ممتلئًا. صفوف قليلة، وجوه بسيطة، سكينة واضحة.
وقف في الصف الأخير. حاول أن يركز. كان ذهنه مشتتًا. لكنه في السجدة الأولى شعر بشيء مختلف. لم يكن بكاءً ولا انفعالًا. كان شعورًا بالصدق. كأنه أخيرًا لم يمثل دورًا أمام نفسه.
بعد الصلاة جلس في مكانه. لم يستعجل الخروج. نظر إلى الضوء الذي بدأ يدخل من النوافذ. لأول مرة منذ زمن طويل شعر أنه لا يريد الهروب من هذا الهدوء.
عاد إلى البيت ونام قليلًا. استيقظ لاحقًا وهو يشعر بخفة غريبة. ليست سعادة صاخبة، بل راحة هادئة.
في الأيام التالية بدأ يغير أشياء صغيرة. أعاد أرقامًا حذفها، واعتذر عن خطأ قديم، وأغلق بابًا كان يجره إلى ما لا يرضيه. لم يتحول إلى شخص مثالي فجأة، لكنه بدأ يمشي في اتجاه مختلف.
أصعب لحظة لم تكن في المسجد، بل بعد أسبوع، عندما تعثر. عاد لعادة سيئة ظن أنه تخلص منها. شعر بإحباط شديد. كاد يقول: لا فائدة.
لكنه تذكر تلك السجدة الأولى. وتذكر أنه لم يعد يريد الهروب. توضأ من جديد، وصلى ركعتين، وقال في داخله: أنا أحاول.
لم يكن التغيير صاخبًا. لم يلاحظه الجميع. لكن أمه قالت له يومًا:
“وجهك مختلف هذا رمضان.”
ابتسم. لم يخبرها بالتفاصيل. بعض المعارك لا تحتاج جمهورًا.
انتهى رمضان، لكنه لم ينتهِ من قراره. فهم أخيرًا أن التوبة ليست لحظة عاطفية، بل طريق. أحيانًا يتقدم فيه، وأحيانًا يتعثر، لكنه لا يعود إلى النقطة الأولى.
وفي ليلة هادئة بعد العيد، مرّ بجانب المسجد نفسه. لم يتوقف هذه المرة. دخل مباشرة.
النهاية
ليست كل التوبات تبدأ بحدث كبير. أحيانًا تبدأ بمنبه يرن قبل الفجر، برسالة قديمة، بسجدة صادقة. في منصة قصص نؤمن أن التغيير الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بالاتجاه. فإذا كنت تنتظر اللحظة المناسبة لتعود، فقد تكون هذه الليلة هي البداية.