قصة ذاكرة العيد ج1

هناك أيام تبدأ بالضوء وتنتهي بالظلام، لا لأن الشمس غابت، بل لأن شيئاً ما في داخلك انطفأ إلى الأبد.
هذه ليست قصة عن الأشباح، ولا عن ما يسكن تحت الأسرّة أو يختبئ في زوايا البيوت القديمة. هذه قصة عن شيء أكثر رعباً من كل ذلك عن الوجه الذي تحبه، والسر الذي يحمله، والحقيقة التي تنتظرك حين تظن أنك تعرف كل شيء.
القصة
كانت رائحة القهوة تملأ الشقة حين فتحت عينيّ.
تلك الرائحة التي تعني شيئاً واحداً في بيتنا، لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى كلام — تعني أن أمي استيقظت قبل الفجر، وأشعلت الموقد، وأعدّت القهوة بيديها، كما كانت تفعل كل عيد منذ أن فتحت عيني على الدنيا. كانت تلك طقوسها الخاصة، عبادتها الصامتة لهذا اليوم.
نهضت ببطء. كان الصباح لا يزال رقيقاً، والضوء يتسلل من بين ستائر الغرفة كأنه يستأذن قبل الدخول. ارتديت ثوبي الجديد — الأبيض الذي اشترته لي أمي قبل أسبوع، وظل معلقاً على باب الخزانة كوعد ينتظر موعده — ثم خرجت إلى الصالة.
كان أبي جالساً في مكانه المعتاد.
الكرسي الجلدي البني بجوار النافذة، ذلك الكرسي الذي يدّعي ملكيته منذ سنوات ولا أحد يجرؤ على الجلوس فيه حين يكون في البيت. كان يمسك فنجان القهوة بكلتا يديه، نظره إلى الشارع السبع طوابق تحته، والمدينة تصحو ببطء في عيدها.
قلت: صباح الخير يا أبي، كل عام وأنتم بخير.
التفت إليّ. ابتسم تلك الابتسامة التي أعرفها، الهادئة العريضة التي تجعل وجهه يبدو أصغر من عمره بعشر سنوات.
قال: وأنت بخير يا بني. تعال اجلس.
جلست على الأريكة المقابلة. لم يتكلم مرة أخرى، وعدت نظره إلى الشارع. في البداية لم أُلقِ لذلك بالاً — أبي رجل قليل الكلام في الصباحات، يحتاج وقتاً حتى يدخل في اليوم كاملاً — لكن شيئاً ما، لا أعرف تسميته حتى الآن، جعلني أراقبه أكثر من المعتاد.
كان هاتفه على الطاولة أمامه، مقلوباً.
لم أفكر في الأمر. أو ربما فكرت ثم قررت ألا أفكر. أحياناً نفعل ذلك حين تهمس لنا غريزة ما بأن ثمة شيئاً لا نريد معرفته.
جاءت أمي من المطبخ تحمل الصينية، وخلفها أختي الصغيرة سلمى تقفز بثوبها الوردي، تصرخ بكل ما في رئتيها الصغيرتين من فرح. كانت في السادسة من عمرها، وكان العيد في نظرها أعظم من أي شيء في الكون، حتى أعظم من الشوكولاتة التي تعشقها.
قالت سلمى وهي تدور في الصالة: عيد! عيد! متى نأخذ العيدية يا بابا؟
ضحك أبي هذه المرة بصوت حقيقي، فتح ذراعيه لها فجاءت تركض وغرقت في حضنه. ضمّها وقبّل رأسها، ثم نظر إليّ فوق كتفها الصغير.
كان في عينيه شيء لم أستطع قراءته.
جاء العم خالد وزوجته وأولاده قبل العاشرة. ثم جاءت عمتي أم سامي ومعها حماتها العجوز التي تحضر كل عيد وتجلس في الركن ذاته ولا تتكلم إلا حين تريد المزيد من التمر. وبعدهم جاء جيراننا أبو محمد وأسرته، لأن بيتنا كان من ذلك النوع الذي يعرف الناس أنه مفتوح، وأن طاولته لا تخلو أبداً.
امتلأت الشقة. امتلأت بالأصوات والروائح والأطفال الذين يركضون بين الأقدام. صار الهواء دافئاً ثقيلاً بعطر القهوة والهيل والعطور الجديدة. وصارت الصالة الواسعة تبدو صغيرة فجأة، كأن الجدران تضيق بكل هذا الفرح المتراكم.
كان أبي في وسط كل ذلك. يصافح، يضحك، يسكب القهوة بيده لضيوفه كما يحب. وكان كل شيء طبيعياً تماماً.
إلا هاتفه.
طوال الصباح، كلما نظرت إليه، كان الهاتف مقلوباً. على الطاولة، في جيبه حين يمشي، مقلوباً دائماً. ومرة واحدة — مرة واحدة فقط — رأيته ينظر إليه بسرعة حين ظن أن أحداً لا يراه، ثم يعود الشاشة إلى أسفل بحركة هادئة مدروسة.
نظرت إلى وجهه. كان يبتسم.
لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه هذه المرة.
قبيل الظهر، حين كانت أمي تُعدّ الغداء وكان الضيوف منشغلين بأحاديثهم، جلست بجوار أبي لحظة خلونا فيها وسط كل ذلك الزحام.
قلت: كل شيء بخير يا أبي؟
نظر إليّ. كانت اللحظة قصيرة، أقصر مما ينبغي. ثم ربّت على ركبتي بيده الكبيرة.
قال: كل شيء تمام يا بني. الحمد لله.
ثم قام واتجه نحو الضيوف.
بقيت جالساً أنظر إلى ظهره وهو يبتعد، وشيء ما في صدري لم يقتنع.
كنت أعلم، بذلك الحدس الذي لا يخطئ والذي نتجاهله طوال أعمارنا حتى يفوت الأوان — كنت أعلم أن هذا الصباح ليس كسائر الصباحات.
لم أكن أعلم أنه آخر صباح سنجلس فيه معاً.