قصص خيال علمي

قصة المحطة الأخيرة

في أعماق الفضاء، لا يسمع أحد صرختك… لكن الصمت أحيانًا يكون أشد رعبًا من أي صرخة.

حين تنقطع الإشارات، وتختفي الأصوات، يبدأ العقل في البحث عن إجابة، ولو كانت مستحيلة. فهل يمكن لمكانٍ يعج بالحياة أن يصبح فارغًا في لحظة؟ وهل كل لغزٍ ينتظر من يحله…

القصة

 

 

 

 

كان عام 2148، حين فقد مركز القيادة الأرضي الاتصال بمحطة “أوريون-7”، أكبر محطة فضائية تدور حول المشتري.

لم يكن الأمر غريبًا في البداية؛ فقد تحدث انقطاعات قصيرة بسبب العواصف الإشعاعية. لكن الساعات تحولت إلى أيام، ثم إلى أسبوع كامل، دون أن تصل أي إشارة من المحطة التي تضم أكثر من مئتي عالم ومهندس.

أُعلنت حالة الطوارئ.

وانطلقت سفينة الإنقاذ “النور”، وعلى متنها ثمانية من أفضل رواد الفضاء.

استغرقت الرحلة أشهرًا طويلة، حتى ظهرت المحطة أخيرًا وسط الظلام، تدور بهدوء كما لو أن شيئًا لم يحدث.

قال القائد سامر وهو ينظر عبر النافذة:

“كل الأنظمة تعمل… الطاقة مستقرة… لماذا لا يجيب أحد؟”

اقتربت السفينة ببطء، والتحمت بالمحطة بنجاح.

فتح الباب الآلي…

وساد الصمت.

دخل الفريق بحذر.

كانت الإضاءة تعمل.

الهواء صالح للتنفس.

الأجهزة تعرض بياناتها بصورة طبيعية.

بل إن أكواب القهوة ما زالت فوق الطاولات، وكأن أصحابها غادروها قبل دقائق.

لكن…

لم يكن هناك إنسان واحد.

بدأ الفريق بتفتيش أقسام المحطة.

غرف النوم مرتبة.

قاعة الطعام مليئة بالوجبات المجمدة.

المختبرات مفتوحة.

ولم يجدوا أي أثر لصراع، أو انفجار، أو تسرب، أو حتى رسالة استغاثة.

قالت المهندسة ليان وهي تحدق في شاشة المراقبة:

“الغريب أن الكاميرات لم تتوقف عن التسجيل.”

أعادوا تسجيلات اليوم الأخير.

في البداية، بدا كل شيء طبيعيًا.

علماء يعملون.

مهندسون يصلحون الأجهزة.

ضحكات في قاعة الطعام.

ثم…

في الساعة التاسعة وثلاث عشرة دقيقة.

توقف الجميع عن الحركة في اللحظة نفسها.

رفعوا رؤوسهم نحو النافذة المطلة على الفضاء.

وكأنهم رأوا شيئًا واحدًا.

شيئًا لا تظهره الكاميرات.

بعد ثانيتين…

اختفوا جميعًا.

لا انفجار.

لا ضوء.

لا دخان.

فقط…

اختفوا.

ساد الذهول داخل غرفة التحكم.

قال أحد أفراد الفريق بصوت مرتجف:

“الكاميرات لم تسجل شيئًا… لكنها سجلت اختفاء مئتي شخص في ثانية واحدة.”

واصل الفريق البحث.

وفي غرفة الأبحاث الرئيسية وجدوا جهازًا جديدًا لم يكن مسجلًا في ملفات المحطة.

كان مشروعًا سريًا لدراسة موجات كونية نادرة تمر بالقرب من المشتري مرة كل عدة قرون.

وبجانب الجهاز وجدوا دفترًا ورقيًا كُتبت فيه آخر عبارة بخط متعجل:

“إذا عاد هذا التردد مرة أخرى… فلا تنظروا إليه.”

ساد الصمت.

نظر الجميع إلى بعضهم.

وفي تلك اللحظة…

أصدر الجهاز صوتًا خافتًا.

ثم بدأت الشاشة تعرض رسالة قصيرة:

“عودة الموجة بعد… ثلاثين ثانية.”

ارتفعت نبضات القلوب.

أغلق الفريق جميع النوافذ المعدنية، وأوقفوا أجهزة الرصد، وابتعدوا عن غرفة المختبر.

مرت ثلاثون ثانية…

واهتزت المحطة اهتزازًا خفيفًا.

ثم…

عاد كل شيء إلى طبيعته.

فتح القائد سامر باب المختبر بحذر.

كان الجهاز قد احترق بالكامل.

أما شاشة العد التنازلي…

فقد اختفت.

بعد أيام من الفحص، لم يعثر الفريق على أي دليل يفسر ما حدث لطاقم المحطة.

وعادت سفينة “النور” إلى الأرض تحمل سؤالًا واحدًا بقي بلا إجابة:

ما الذي رآه أولئك الأشخاص في اللحظة الأخيرة؟

ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على إعادة تشغيل أي جهاز صُمم لالتقاط تلك الموجة الغامض.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.