قصة نجاح نيلسون مانديلا

اهلا وسهلا بكم متابعي موقع قصص
لقد اضفنا اليوم قصة جديدة
استمتعوا!
هذه القصة من حصريات موقع قصص
القصة
كانت قرية “مفيزو” بجنوب أفريقيا عام 1918 مجرد بقعة صغيرة على الخريطة، حيث يعيش الناس حياة بسيطة وسط الحقول. هناك وُلد طفل سُمي روليهلاهلا مانديلا، وهو اسم في لغة قبيلته معناه “مثير المتاعب”. لم يكن أحد يعرف أن هذا الطفل سيصبح بعد عقود رمزًا عالميًا للحرية.
نشأ مانديلا في مجتمع قبلي، يسمع منذ صغره عن ظلم البيض للسود، لكنه لم يفهم تمامًا حجم المأساة إلا حين كبر. بعد وفاة والده، تولى أحد زعماء القبيلة تربيته، وأُتيح له أن يدرس، وهو أمر نادر في ذلك الزمن لأبناء جلدته. كان يحلم أن يصبح مستشارًا أو محاميًا، يساعد الناس على حل نزاعاتهم.
دخل جامعة “فورت هير”، وهناك لم يتعلم فقط القوانين والكتب، بل تعلّم معنى الكرامة. رأى كيف يُعامل زملاؤه من السود بازدراء، وكيف يُجبرون على قبول أوامر لا يقبلها إنسان حر. تمرد، وطُرد من الجامعة بسبب احتجاجه ضد الإدارة، لكنه لم يتوقف عن السعي للعلم.
انتقل إلى جوهانسبرغ، وهناك رأى الوجه الحقيقي للفصل العنصري: أحياء كاملة ممنوعة على السود، وظائف محجوزة للبيض فقط، وقوانين تهين الإنسان في كل خطوة. قرر أن يدرس القانون ليصبح محاميًا، يدافع عن الفقراء والعمال. ومع صديقه “أوليفر تامبو”، أسس مكتب محاماة كان الأول من نوعه في جنوب أفريقيا يُدار من قبل السود.
لكن القوانين لم تكن عادلة. الشرطة كانت تلاحقه باستمرار، وكل محاولة للتظاهر السلمي كانت تُقابل بالرصاص. في البداية، آمن مانديلا بالنضال السلمي، متأثرًا بغاندي. لكنه مع مرور الوقت أدرك أن النظام الحاكم لا يفهم إلا لغة القوة. شارك في تأسيس “رمح الأمة”، الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي، وبدأ بتنظيم أعمال مقاومة ضد المنشآت الحكومية.
عام 1962، تم القبض عليه، وحُكم عليه بالسجن المؤبد في محاكمة شهيرة عُرفت باسم “محاكمة ريفونيا”. حين وقف أمام القضاة قال كلمته التي خلدها التاريخ:
“لقد كرّست حياتي لنضال الشعب الأفريقي. لقد حاربت هيمنة البيض وحاربت هيمنة السود. حلمت بمجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في انسجام. إنه هدف أتمنى أن أعيش من أجله وأحققه. ولكن، إن كان لابد، فهو هدف أنا مستعد أن أموت من أجله.”
هكذا بدأ 27 عامًا من السجن.
كان زنزانته في جزيرة روبن لا تتجاوز مترين عرضًا ومترين طولًا. ينام على حصير، يعمل في تكسير الصخور، ويتعرض للتعذيب النفسي والجسدي. أرادوا أن يحطموه، لكنهم لم يعرفوا أنه سيخرج أقوى مما دخل. داخل السجن، صار مانديلا مدرسة. علّم السجناء القراءة والسياسة، وحافظ على كرامته حتى وهو يرتدي زي السجين.
خارج الأسوار، تحوّل إلى رمز عالمي. صورته انتشرت في كل العالم، وأصبح اسمه مرادفًا للحرية. الحكومات الغربية التي كانت تغضّ الطرف عن الفصل العنصري بدأت تتعرض لضغوط شعبية، والعالم كله صار يطالب بإطلاق سراحه.
وفي 11 فبراير 1990، فُتحت أبواب السجن، وخرج مانديلا بخطوات ثابتة، يرفع قبضته عاليًا، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة. خرج لا لينتقم، بل ليبني. دعا إلى المصالحة بدلًا من الثأر، وقال لشعبه:
“دعونا ننسى الماضي، ونعمل معًا من أجل المستقبل.”
بعد أربع سنوات فقط، في 1994، أصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا. لم يكن مجرد رئيس، بل كان الأب الذي جمع أبناء الوطن على اختلاف ألوانهم. وضع دستورًا جديدًا، ألغى القوانين العنصرية، وفتح الباب أمام بناء بلد ديمقراطي.
لكن الأهم من كل هذا، أنه بعد فترة واحدة من الحكم، قرر أن يترك السلطة طواعية، في سابقة نادرة في أفريقيا. أراد أن يعلّم العالم أن القائد الحقيقي لا يتشبث بالكرسي، بل يتركه حين يحين الوقت.
قضى بقية حياته يعمل من أجل السلام وحقوق الإنسان في العالم كله، حتى وفاته في 2013. يوم رحيله، بكى الملايين في كل القارات، لأنهم فقدوا رجلاً لم يكن مجرد سياسي، بل أسطورة حيّة علّمت البشرية أن الحرية يمكن أن تُولد حتى من قلب السجون.
اليوم، حين يُذكر اسم مانديلا، لا نتذكر فقط رئيسًا أو مناضلاً، بل نتذكر قصة إنسان لم ينكسر رغم السجون والعذاب، وخرج ليكتب أعظم دروس الغفران والكرامة في تاريخ البشر.
النهاية






