قصة عندما سقطت الطفولة ج5

المدينة وصلت إلى لحظة الحساب. في هذا الجزء، لا نواجه مجرد مجرمين في زوايا مظلمة، بل نواجه شبكة اتسعت لتغطي مكاتب رسمية ووجوه باسمة في المؤتمرات. سامر لم يعد مجرد ضابط يتحرّى؛ صار رجلًا قرّر أن يجمع السيف مع القلم: أدلة تُودَع في النيابة، ونسخ تُسرّب لصحفي لا يخاف، وكمائن تُنفّذ في الظلام. الخطر هنا متعدد الوجوه — ردود فعل عنيفة، خياناتٍ داخلية، وثمنٌ شخصي باهظ. اقرأ هذا الجزء إن كنت تريد أن ترى ماذا يحدث حين يختلط الغضب بالمبدأ، وماذا يحدث حين تصبح الأسرة ساحة مواجهة لا أخترناها.
القصة
أنا سامر. هذا هو الجزء الخامس — الوجه الذي يراه من باقٍ على حاله بعد أن تحطمت الأشياء التي كنت أحسبها مقدسة: بيت، قانون، قلب صغير اسمه لمى.
لم يبقَ كثير من الكلام قبل أن تبدأ الحركة الأخيرة. قررت أن أجمع بين السيف والقلم: أوراق رسمية تُقدّم إلى النيابة العامة، ونسخة من القرص تُرسل لصحفي مستقل معروف بعدم خوفه من السلطة، وخطة ميدانية لضبط الوجوه الوسطية قبل أن يهربوا. لم أعد أؤمن بأن العدالة وحدها كافية؛ لا في مدينةٍ تُلبس الفساد ثياب القانون. قررت أن أُظهر الحقائق للعامة، لأجبر المؤسسات على الحركة أو أجبر الناس على الوقوف معي.
حمزة، فارس، وجابر كانوا معي — ليسوا مجرد شركاء عمل، بل إخوة اخترنا بعضنا في لحظة ما قبل أن تخوننا المدينة. اخترت أن أضعهم في نقاط استهداف استراتيجية: ميناء، مرآب، ومقر شركة القش. أنا أخذت الخطوة الأصعب: المواجهة المباشرة مع المهندس. كنت أعلم أن الرجل ليس مجرد زعيم عصابة تقليدية؛ هو شبكة مصالح تخرج أذرعها إلى مكاتب رسمية.
المواجهة كانت أقصر مما توقعت، لكنها أشد. اقتحمت مقرًا يُخفي وراء واجهته شركة استيراد بلا رُقابة. وجوهٌ ترتجف، هواتف تُرمى، وملفات تُبحث تحت أضواء الفلاش. وجدنا مستندات ربطت المهندس بمسؤولين كبار، حسابات بنكية، فواتير مزيفة، وعقودًا توضح كيفية تحويل أموال سرية إلى شركات واجهة. شعرت بثقل الحقيقة تحت يدي، لكنها كانت قادرة على تدمير عالم كامل. أرسلت كل شيء إلى النيابة ورغم ذلك أردت أن أتأكد أن الناس سيرون، فسلمت نسخة للصحفي.
وهنا جاء السقوط المتوقع: حين بدأت الأخبار تبث، انقلبت الشوارع. أنصار النظام المدفون في الظلال سعوا لإخماد الحريق. هاتف والدتي رنّ — تهديد آخر. ثم جاء الأسوء: رسالة وصلتني على البريد الداخلي في مكتبي، رسالة قصيرة تحمل صورة لمى في سريري المستشفى مع توقيع: “لو تحرّكّت أكثر، سنأخذ منها ما تبقّى.” لم يعد هناك مساحة للحسابات الطويلة.
قررنا تنفيذ العملية النهائية مساءً، مع خطة احتياطية لحماية المستشفى. أرسلت حمزة إلى هناك لتأكيد أمان النطاق القريب، وجابر وضع خطًا احتياطيًا مع مراقبة المستشفى. لكن الخطر لم يكن من الخارج فقط؛ كان هناك تسريب داخلي — أحدُ من ظننت بهم أخًا أُجبِر على السقوط في خانة الخائن. عندما اقتربنا من اللحظة الحاسمة، عرفوا أننا قادمون.
الكمين تحوّل إلى تبادل نيران سريع. فارس دفع ثمنًا غاليًا حين تطوع ليقطع طريقًا للخروج وأصيب إصابة قاتلة. حاولت أن أنقذه لكن اليد التي تمسك المسدس ارتجفت. قدراتنا لم تكن خارقة؛ كنا بشرًا مصممين على الكفاح. قبل أن يفارق فارس، أمسك بيدي وقال: “أتمّم ما بدأتَ به.” كانت كلماته بمثابة وصية.
وفي نفس الوقت الذي كان فيه فريقنا يقاتل في الضاحية، تلقينا اتصالًا صادمًا: منفذ التهديد نفّذ إنذارًا كاذبًا لسحب جزء من القوة إلى جهة مغلوطة، وداخل المستشفى حدث إطلاق نار عشوائي عند المدخل — لا علاقة له بخطتنا المباشرة لكنه يُجبر الحراس على التشتت. لم أتأخر. ركضت إلى المستشفى كما لو أن النوم لم يعد مشروعًا لي.
دخلت غرفة الطوارئ وأذكر الآن رعب الوقائع المجردة: جهاز تنفس يئن، أم تبكي بلا صوت، وطبيب يصرخ أملاً. لمى كانت هناك، عينان نصف مفتوحتان، شحوب طفلٍ أكبر من عمره. أحدهم أتى وقال بصوت متقطع: “أُطلقت رصاصة — لم تؤثر في عضو حيوي لكن…” ابتلع قوله ولم يُكمل. لم أعد أحتاج لكلمات الطب. كتفي ينهاران من تعب، وقلبي يرغب في أن ينتزع الزمن ويعيد ما كان.



