قصة عبقري في المكتب، كارثة بين البشر

في منصة قصص نؤمن أن الضحك أحيانًا أصدق وسيلة لفهم الذات. هذه حكاية خفيفة عن شخص بالغ الذكاء في موضع لا ينفع فيه الذكاء، وغريب الأطوار في مواقف تحتاج البساطة. قصة عن فجوة صغيرة بين العقل والمشاعر، لكنها تصنع مواقف كبيرة من الضحك.
القصة
كان اسمه سامر. في العمل، لا يُجارى. يحل أعقد المشكلات في دقائق، يحفظ الأرقام كما يحفظ الناس أسماء أصدقائهم، ويتعامل مع الأنظمة المعقدة كأنها لعبة بسيطة. كان المدير يثق به ثقة مطلقة، وكان الزملاء يلجؤون إليه قبل أن يلجؤوا إلى آلة القهوة.
لكن خارج شاشة الحاسوب، تبدأ المتاعب.
في أول يوم له في الشركة، مرّ على مكتب زميله وقال بابتسامة ثابتة:
“مرحبًا، كيف حالك؟”
أجابه الزميل: “متعب قليلًا.”
فرد سامر بسرعة: “ممتاز.” ثم جلس بهدوء.
منذ تلك اللحظة، أصبح حديث المكتب.
في يوم آخر، وصلت رسالة جماعية تُعلن وفاة قريب لأحد الموظفين. كتب الجميع كلمات تعزية لائقة، أما سامر فقرأ الرسالة، فكر لحظة، ثم كتب رمز ضحك، وضغط زر الإرسال بثقة تامة.
بعد دقائق، خيّم الصمت، وتبادلت العيون النظرات. همس أحدهم متعجبًا:
“لماذا ضحكت؟”
فأجاب سامر باستغراب:
“هذا الرمز أستخدمه دائمًا للتفاعل.”
وفي الاجتماعات، كان الموقف أكثر حرجًا. يقول المدير:
“نحتاج إلى حل سريع.”
فيرد سامر ببرود:
“الحل موجود، لكن المشكلة في البشر.”
ثم يدون الملاحظة وكأن الأمر طبيعي.
قال له أحد الزملاء مرة:
“لا تأخذ الأمور على محمل شخصي.”
فالتزم سامر الصمت يومين كاملين، معتقدًا أن ذلك طلب رسمي.
أما الموقف الأشهر، فكان يوم الاحتفال بعيد ميلاد أحد الموظفين. اجتمع الجميع حول الكعكة، وغنوا، وانتظروا كلمة لطيفة من سامر لأنه الأقرب لصاحب المناسبة. وقف سامر وقال بجدية تامة:
“إحصائيًا، احتمال استمرارك معنا أقل من ثلاث سنوات، ولكن أتمنى لك التوفيق.”
ثم صفق وحده.
ورغم كل ذلك، لم يكن سامر سيئ النية. كان صادقًا أكثر مما ينبغي، مباشرًا أكثر مما يحتمل الموقف، وذكيًا في المكان الخطأ. حاول أن يتعلم، فقرأ عن الذكاء العاطفي، وشاهد مقاطع تعليمية، وحفظ عبارات جاهزة مثل: أنا آسف لسماع ذلك، مبروك، أتمنى لك يومًا سعيدًا.
لكن التطبيق العملي كان أصعب بكثير.
في أحد الأيام، دخل المكتب فوجد الجميع صامتين، وأحدهم يبكي. اقترب سامر ببطء، تذكر العبارة المناسبة، وقال بنبرة آلية:
“أنا آسف لسماع ذلك، مبروك.”
توقف لحظة، فكر، ثم أضاف بسرعة:
“أقصد الجزء الأول فقط.”
ضحك الجميع، حتى الشخص الذي كان يبكي.
ومنذ ذلك اليوم، تغير شيء صغير. لم يصبح سامر اجتماعيًا فجأة، لكنه صار أكثر إنسانية. تحولت أخطاؤه من مواقف محرجة إلى مواقف مضحكة، وصار صدقه أقرب إلى اللطف منه إلى القسوة.
النهاية
ليس كل ذكي يحسن التصرف، وليس كل موقف يحتاج إلى ذكاء. أحيانًا يكفي أن ندرك أن البشر ليسوا معادلات. في منصة قصص نحب الحكايات التي تضحكنا أولًا، ثم تتركنا نفكر بهدوء. وربما يحمل كل واحد منا شيئًا من سامر، بدرجات مختلفة.


