قصة الطفل الذي عاد من النار ج2

الجزء الثاني: خمسة عشر عامًا من الصمت
حصريًا على منصة قصص
القصة
تمر الأيام على بعض الناس كأنها نسيم عابر…
وتمر على آخرين كأنها حجارة تُلقى فوق صدورهم، حتى يصبح التنفس نفسه معركة.
يقولون إن الزمن يداوي الجراح…
لكنهم ينسون أن هناك جراحًا لا تلتئم، بل تتعلم كيف تختبئ في الأعماق، حتى يأتي يوم تعود فيه لتنزف من جديد.
خمسة عشر عامًا…
كانت كافية ليصبح الطفل رجلًا.
لكنها لم تكن كافية لينسى تلك الليلة.
كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحًا.
وقف شاب طويل القامة أمام كيس الملاكمة في صالة تدريب قديمة، يوجه إليه ضرباته بعنف متواصل.
ضربة…
ثم أخرى…
ثم عشرات الضربات دون أن يتوقف.
حتى تشققت قبضتاه، واختلط العرق بقطرات الدم.
دخل المدرب وهو يراقبه بصمت.
قال بصوت هادئ:
“يكفي يا آدم.”
لم يلتفت.
استمرت الضربات.
اقترب الرجل ووضع يده على الكيس حتى توقف عن الحركة.
نظر إلى آدم وقال:
“أنت لا تتدرب لتصبح أقوى… أنت تعاقب نفسك.”
خفض آدم رأسه.
ثم أجاب بصوت بارد:
“ما زلت ضعيفًا.”
لم يعرف المدرب كيف يرد.
فمنذ خمسة عشر عامًا، لم يرَ هذا الشاب يبتسم مرة واحدة.
كان يستيقظ قبل الجميع.
ويتدرب أكثر من الجميع.
ويغادر بعد الجميع.
وكأن حياته كلها كانت طريقًا واحدًا لا يسمح بالالتفات.
عاد إلى شقته الصغيرة.
لم تكن على الجدران صور، ولا زينة، ولا ذكريات.
فقط خزانة معدنية.
فتحها ببطء.
أخرج منها صندوقًا خشبيًا قديمًا.
في داخله…
طائرة ورقية صغيرة، بهت لونها مع الزمن.
وساعة يد متوقفة.
وصورة عائلية احترقت أطرافها.
ثم قطعة ورق كُتب عليها بخط طفل:
“لن أنساك.”
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم أغلق الصندوق بعناية.
كأنه يغلق جرحًا لا يريد لأحد أن يراه.
في مساء ذلك اليوم، كانت المدينة تستعد لاحتفال كبير.
شاشات عملاقة في الساحات.
أعلام ترفرف.
ومئات الناس يهتفون باسم رجل واحد.
ظهر على الشاشة قائد عسكري يرتدي بزته الرسمية، وسط تصفيق حاد.
المذيع قال بحماس:
“قبل خمسة عشر عامًا، أنقذ اللواء فارس البلاد من أخطر تنظيم مسلح، وضحى بكل شيء من أجل أمن الوطن.”
تعالت الهتافات.
وقف الجميع احترامًا.
إلا شخصًا واحدًا.
كان آدم يشاهد الشاشة من آخر الشارع.
تجمدت خطواته.
ازدادت أنفاسه سرعة.
لم يكن ينظر إلى الأوسمة…
ولا إلى الحشود.
كان ينظر إلى وجه الرجل.
ذلك الوجه…
لم يتغير.
الندبة الصغيرة بجانب العين.
النظرة الباردة نفسها.
والهدوء ذاته.
أغلق قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
همس بصوت يكاد لا يُسمع:
“وجدتك…”
وفي تلك اللحظة، شعر أن السنوات الخمس عشرة لم تكن سوى لحظة انتظار طويلة.
في الليل، عاد إلى منزله.
فتح درج مكتبه.
أخرج خريطة للمدينة.
وعليها عشرات الصور والملاحظات والخطوط الحمراء.
وفي المنتصف…
صورة اللواء فارس.
ثبت آدم عليها نظره.
ثم كتب تحتها كلمة واحدة.
“الهدف.”
أطفأ المصباح.
لكن عينيه بقيتا مفتوحتين حتى الفجر.
فقد انتهى زمن البحث…
وبدأ زمن المطاردة.
نهاية الجزء الثاني…



من اقوى قصص الموقع هذا العام
شي قوي جدا
نريد جزء الثالث في اقرب وقت