قصة مصباح والثمرة

ليست كل الثمار متشابهة، فبعضها يُشبع الجسد، وأخرى تُنير القلوب. في هذه القصة الرمزية، تتجلى قيمة الصبر والإخلاص، وكيف يمكن لثمرةٍ واحدة أن تحمل أثرًا يبقى حيًا حتى بعد رحيل من غرسها ورعاها.
بقلم: أ . يوسف عبد الحفيظ الصويعي
القصة
كلَّ يومٍ مع الفجر، كان مصباح العجوز يمسك الخرطوم.
كان ظهره منحنيًا من وطأة السنين، ويده ترتجف، لكن قلبه ظل ثابتًا.
يسقي شجرةً واحدةً في وسط الميدان.
تمضي الأيام، وتكبر الشجرة.
تمتد أغصانها كالأيدي التي تريد أن تعانق السماء.
وتكسوها الأوراق الخضراء، فتصنع ظلًا باردًا للمتعبين.
ثم بدأت البراعم الصغيرة تظهر.
واحدة… ثم اثنتان… ثم عشرات.
تفتحت الأزهار البيضاء، وعطرها ملأ الميدان كله.
جاء إليها النحل، وغرَّدت العصافير فوق أغصانها.
ثم أثمرت.
كانت جميع الثمار متشابهة.
الشكل نفسه، واللون نفسه، والطعم نفسه.
حلوة، مستديرة، تتلألأ تحت أشعة الشمس.
كان الناس يأكلون منها ثم يمضون في طريقهم، دون أن يتوقف معظمهم طويلًا.
إلا ثمرةً واحدة.
منذ أن ظهرت، كانت مختلفة.
كانت قشرتها تشع نورًا خافتًا، كقمرٍ صغير.
وكان ذلك النور ثقيلًا عليها كل ليلة.
تشعر وكأنه أمانة معلقة في عنقها.
كان يجذب أنظار المارة.
فيقف بعضهم تحتها مبتسمًا.
ويقول أحدهم:
“سبحان الله… ما هذا النور!”
ثم يمضي وقلبه مطمئن طوال يومه.
وتأخذ أمٌّ طفلها من يده، وتقول:
“انظر يا بني… هكذا يكون القلب النقي.”
ويجلس طالب أنهكه التعب من الدراسة تحتها، ويفتح كتابه، وفجأة يفهم المسألة التي أعجزته.
أما البعض الآخر، فكان يضيق بذلك النور.
يغطي عينيه بيده.
ويهمس:
“هذا النور يفضح عيوبنا.”
ويمد يده ليقطفها بالقوة…
لكن الأغصان ارتجفت ومنعته.
وبعد أيام، اشتدت الرياح.
ولاحظ المارة أمرًا غريبًا.
بدأت الثمار العادية تتساقط واحدةً تلو الأخرى.
حتى خلت الشجرة منها جميعًا.
واصفرت الأوراق، ثم تساقطت.
وعاد الميدان خاليًا…
إلا من تلك الثمرة المميزة، التي بقيت في أعلى غصن.
ظلت وحدها.
وأخذت تتنفس ببطء.
وكان كل نفس منها يطلق نورًا يمحو ظلمة المكان.
وفجأة…
تحول كل شيء تحت الشجرة.
أصبح الميدان الخالي ساحةً واسعة.
اجتمع الناس من كل مكان.
منهم من أشعل الشموع ورتبها في دائرة.
ومنهم من أخذ يرقص رقصات بهلوانية على إيقاع الدفوف، يضحك ويصفق.
ومنهم من جاء بالهدايا وأطيب الحلوى، يوزعها على الأطفال.
ارتفعت الضحكات، وعلت الموسيقى.
وفي الركن البعيد، جلس رجل ملتحٍ، حفرت التجارب ملامح وجهه.
فتح كتابًا قديمًا، اصفرَّت صفحاته.
وأخذ يقرأ بصوت هادئ:
“اصبر… ازرع… ولا تيأس.”
كان الذين يرقصون يقتربون منه قليلًا، يستمعون إلى كلمة، ثم يعودون إلى رقصهم.
لكن كلمةً واحدةً منه كانت تستقر في قلب شخصٍ واحدٍ على الأقل.
وفجأة…
هطل مطرٌ خفيف من السماء.
لم يكن مطرًا عاديًا.
كانت كل قطرة تغسل الساحة من الغبار والضجيج.
وتغسل وجوه الناس من التعب.
فعادت الساحة إلى إشراقها، كأنها وُلدت من جديد.
وفي الليل، رأى مصباح العجوز المشهد من بعيد.
فوضع الخرطوم من يده.
وأطفأ سراجه الصغير الذي ظل يشعله بجوار الشجرة سنواتٍ طويلة.
ابتسم ابتسامة امتزج فيها التعب بالرضا.
وهمس لنفسه، والدمعة تلمع في عينه:
“لقد أضاءت الثمرة من دوني… لقد وصلت أمانتي.”
ظل ينظر إلى النور المنبعث من الثمرة.
ذلك النور لم يعد بحاجة إلى خرطوم، ولا إلى يدٍ تسقيه.
بل صار هو من يسقي غيره.
أغمض مصباح العجوز عينيه.
وشعر أن مهمته قد اكتملت.
أما الشجرة، فعلى الرغم من تجردها من أوراقها، فقد بقيت شامخة.
لأن في قمتها ثمرةً واحدة…
تكفي.
النهاية
العبرة من القصة:
إن الخير الذي يُزرع بالإخلاص والصبر لا يضيع، بل ينمو مع الزمن حتى يصبح أثرًا نافعًا يستمر بعد غياب صاحبه. فالمربي الصادق، والمعلم المخلص، وصاحب الرسالة، قد لا يرى جميع ثمار جهده، لكن ما يغرسه في النفوس قد يضيء حياة الآخرين، وينتقل أثره من جيل إلى جيل. فليس المهم كثرة الثمار، بل أن توجد ثمرة واحدة صالحة قادرة على أن تنشر النور والخير من حولها.
نبذة عن الكاتب:
[ أ . يوسف عبد الحفيظ الصويعي]
كاتب ليبي من طرابلس/ درج…. مهتم بأدب القصة القصيرة والرمزية التي تلامس هموم الإنسان والقيم.






