قصص نجاح

قصة نجاح تحت القصف

في منصة قصص، لا نبحث عن الأبطال الذين وُلدوا أقوياء، بل عن أولئك الذين تعلّموا كيف يبقون واقفين بينما العالم ينهار حولهم. هذه ليست قصة عن الحرب، بل عن شخص حاول أن لا يسمح لها بأن تبتلعه. قصة نجاح لم تُصنع في القاعات، بل بين الركام، وعلى ضوء لحظات مسروقة من الخوف.

 

 

 

القصة

 

 

 

في الليلة التي سقط فيها السقف جزئيًا، كان أول ما فعله هو أن بحث عن دفتره. لم يبحث عن الهاتف، ولا عن المال القليل الذي كان يخبئه، بل عن الدفتر. وجده تحت الغبار، إحدى زواياه محترقة، لكن الصفحات الداخلية ما زالت سليمة.

جلس على الأرض، وفتح صفحة فارغة، وكتب التاريخ. لا لأنه يخطط لشيء، بل لأنه خاف أن ينسى الأيام إن لم يقيّدها.

لم يكن عمره يسمح له بأن يفهم الحرب، لكنه كان يفهم شيئًا واحدًا: كل يوم يمر دون أن يتعلم فيه شيئًا هو يوم خاسر، مهما نجا جسديًا.

قبل الحرب، كان تلميذًا عاديًا. لا متفوقًا ولا فاشلًا. بعد الحرب، لم يعد هناك تصنيفات. لم يعد هناك صف، ولا سبورة، ولا صوت جرس. صار التعليم فعلًا سريًا، يتم في الخفاء، كما لو كان جريمة.

كان يختار أوقات التعلم بدقة. ليس حسب رغبته، بل حسب شدة القصف. حين يهدأ الصوت، يفتح الدفتر. وحين يقترب، يغلقه بسرعة ويضعه تحت البلاطة المكسورة قربه. تعلّم أن يربط بين الخطر والمعرفة، بين الخوف والتركيز.

مرّت أيام لم يكتب فيها شيئًا. لم يكن كسلًا، بل إرهاقًا. في تلك الأيام، كان يعيد الدروس في رأسه فقط، كأن العقل صار دفترًا بديلًا. كان يخاف أن ينسى، لأن النسيان في الحرب يشبه الموت البطيء.

في إحدى المرات، سُئل لماذا يتعب نفسه. قال بهدوء:
“لو توقفت، سأنتهي قبل أن تنتهي الحرب.”

خسر معلمًا كان يشرح له أحيانًا. خسر صديقًا كان يشاركه دفترًا واحدًا. خسر غرفة كاملة احترقت بما فيها. لكنه في كل مرة، كان يبدأ من جديد، دون إعلان، دون دموع طويلة. فقط يبدأ.

مرت سنوات. تغيّر صوته، تغيّر شكله، لكن عادته لم تتغير. التعلم صار طقسًا يوميًا، مثل الأكل إن توفر، مثل النوم إن استطاع. لم يعد ينتظر الدافع. كان يعرف أن الانتظار ترف.

حين فُتح باب الامتحان أخيرًا، لم يشعر بالفرح. شعر بالخوف. خوف من أن تكون كل تلك السنوات مجرد وهم. جلس في القاعة، ويده ترتجف قليلًا، لا بسبب الامتحان، بل لأن الصمت كان غريبًا عليه.

كتب. لم يتوقف. لم يفكر في النتيجة. فقط كتب كما تعلّم: بهدوء، بتركيز، وكأن خلفه انفجار ينتظره إن تشتت.

عندما ظهرت النتيجة، لم يصرخ، لم يخبر الجميع. طوى الورقة ووضعها في الدفتر نفسه. نفس الدفتر الذي نجا من النار. عندها فقط، سمح لنفسه بابتسامة قصيرة.

لم يكن النجاح نهاية القصة. كان مجرد دليل على أنه لم ينكسر.

النهاية

 

 

العبرة من القصة:

 

ليست العِبرة أن تنجح رغم الحرب، بل أن ترفض أن تسمح لها بأن تسرق عقلك قبل أن تسرق أمانك. حين تصبح الظروف قاهرة، لا يعود النجاح إنجازًا خارقًا، بل فعل مقاومة يومي، صامت، وعنيد.

القصة تقول إن المعرفة ليست ترفًا نؤجله حتى تهدأ الحياة، بل وسيلة نجاة حين لا تهدأ. وتقول أيضًا إن الإنسان قد يخسر كل شيء من حوله، بيتًا، مدرسة، أصدقاء، لكنه إن حافظ على إرادته في الفهم والتعلّم، فقد حافظ على نفسه.

النجاح هنا لم يكن وصولًا ولا شهرة، بل إثباتًا بسيطًا: أن من يتمسك بشيء نافع في أسوأ الظروف، يمكنه أن يبني مستقبلًا حتى من قلب الركام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.