قصة تهريب من أجل الحياة ج2

عندما تبدأ النجاة، لا تكون النهاية آمنة كما نتخيل. فبعد كل عبور ناجح، يبقى أثر خفيّ يطارد الطريق، ويترك خلفه أسئلة لا تهدأ. في هذا الجزء، لا يعود الخطر احتمالًا بعيدًا، بل يصبح حاضرًا في كل خطوة، وكل صمت.
نواصل هنا الحكاية من حيث توقّف النفس عند أول خيانة، وأول شكّ في أن الطريق لم يعد نظيفًا كما كان. الجزء الثاني لا يروي حدثًا واحدًا، بل يكشف لحظة التحوّل، حين يدرك صاحب القرار أن النجاة نفسها قد تتحول إلى عبء.
نترككم مع اعتراف جديد، وصوت يزداد ثقلًا، حيث البحر ليس مجرد طريق عبور، بل شاهد على اختيارات ستغيّر كل ما سيأتي بعدها.
القصة
أنا أمين. بعد أن غادرنا المدينة قبل الفجر شعرت بثقل كل ثانية. كنت أعرف أن الطريق البديل سيجبرنا على العمل بصمت أكثر، وأن أي خطأ صغير قد يكلفنا حياة. لم أقل الكثير للفريق. لا أحب الكلام الزائد قبل الخروج. الصمت ينظّم العقل.
وصلنا إلى الشاطئ مع بزوغ قمر باهت. البحر كان هادئًا بما يكفي ليخدع العين، لكنه لا يخدع قلب من يعرف كيف تقرأ أمواج الخطر. القارب الذي اخترناه صغير، مغطى بقطعة قماش رمادية، لا يلفت الانتباه. ركبت أولًا لأتفقد الأشخاص. كانت هناك عائلة، أم وأخ صغير وطفلة تضحك رغم الخوف. بعض الرجال نظروا نحوي بعينين تحملان أكثر من كلمة شكرا. لم يعد الشكر يهمهم كثيرًا بعد الآن. النجاة وحدها تكفي.
قال لي سائق القارب بصوتٍ منخفض، حافظ على هدوئك، لن نتحرك إلا عندما أقول. قلت له حسنا، وقلت في نفسي لا ثقة كاملة بأحد في هذه اللحظات، حتى بمن أنقذتهم بنفسي. لكنني كذبت قليلاً، لأنني كنت أثق بهم إلى حد ما. لديهم سبب للبقاء معنا. لديهم سبب للخروج.
بينما كنا نحمّل الناس، لاحظت ظلًا يتحرك خلف كثيب صغير. ظل صغير ولونه يميل إلى الرمادي. توقفت عن الكلام. لم أكُن مستعدًا لمواجهة مفتوحة، لكني اعتدت أن أقرأ الوجوه. الظل كان وجهاً أعرفه. كان الرجل الذي أنقذناه قبل أشهر، الذي عمل معنا ثم اختفى، ثم عاد مؤخراً وظهر اسمه في القوائم. لم أرغب أن أصدّق الأمر، لكن العين لا تكذب. اقترب مني بخطوات مترددة.
همس لي: أمين، أنا آسف.
كلمة آسف كانت ثقيلة. لم أسأله لماذا. لم أطلب تبريرا. آسف في هذا العالم يزن أكثر من أي دفاع منطقي. لكني سمعت أيضاً في صوته خوفاً عميقاً، وغموضاً لم أعلمه بعد.
قبل أن أتمكن من سؤاله، سمعنا صوت محركات بعيدة، ثم تلته صفارة خفيفة. ليس صوت دورية مألوفة، بل صوت مركبة ساحلية تسير ببطء، تبحث. قلبي تسارع. كل من معنا تنفسوا في نفس التوقيت. الوفاء والصمت هما أفضل معدات النجاة.
قلت للفريق بهدوء، سنؤخر الانطلاق. لا نتعجل. نرجع قليلاً وننتظر فرصة أفضل. لكن داخلي كان يقول إن الانتظار أقل ضرراً من الحماقة. كل ثانية تحمل احتمال أن تُرى أوجههم على شاشات لا تعرف الرحمة.
الرجل الذي أنقذناه أمس، وقف إلى جانبي ونظر إلى البحر. ثم قال بصوت ينهده، سمعت أنهم بدأوا يطرقون على أبواب الناس الذين عملتم معهم من قبل. أعطوني أسماء. لم أسمع اسمه يبرر نفسه، ولا سأله أحد منا. لكن في عينيه كان الحزن يخرج كدخان بطيء. لم يكن يريد أن يخون، كان محاصرا بين خوفه ووزر من يحملونه.
سحبت نفساً عميقاً. كل عملية لها اختبار أخلاقي لا يقل صعوبة عن المرور عبر الحدود. أسأل نفسي دائماً إن كان ما نقوم به يخدم أشخاصاً أم يغذي لعبة أكبر. في تلك اللحظة، رأيت أوجه الأطفال، رأيت اليد الصغيرة تمسك يد أمها بقوة. قررت أن أضع الخوف جانباً وأن أتصرف.
قلت بصوت ثابت، سننقل أول من بداخل القارب الآن. أي حركة مفاجئة ستجعلهم يقتنعون أننا هدف. إن تراجعت، لن أسامح نفسي. الرجل الذي وقف بجانبي بدأ يبكي بصوت منخفض. لم يكن بكى خوفاً من الاعتقال. بكى لأنه فهم ما يعني أن تكون سبب نجاة وسبب ألم في الوقت نفسه.
انطلق القارب أخيرا. تجدُّد الأمواج تحت اللوح كان كنبض حياة. ركبت في نهياية القارب، أنظر إلى شاطئ يبتعد. كل خطوة على الماء كانت تحمل معها جزءاً من أملي. لم يكن أملي في الخلود أو المجد. أملي أن تكون وجوهنا أكثر الناس براءة حين تذكرها الأيام.
لم يمض وقت طويل قبل أن نرى أضواء تقترب ببطء من خلفنا. قوارب صغيرة، صوتها منخفض ولكن وضوح وجودها كان كالنداء. شعرت بعين المدينة مسلطة علينا. لم أتلق تعليمات تفصيلية في ذهني، ولم أخترع خطة معقدة. تذكرت قواعدي: لا نبيع، لا نميّز، نحمي الحياة قدر المستطاع. اخترت أن أقود القارب باتجاه ضوء بعيد لا يُرى إلا من زاوية محددة. لم أخبر السائق لماذا، قلت فقط اتبعني ولا تتوقف.
الأم قالت لي بصوت مرهف، شكراً. لم أكن أستحق الشكر كاملاً. لكنني شعرت بثقل الشكر، وشعرت أيضاً بثقل القرار القادم. لأن إنقاذ مجموعة الآن قد يعني أن مجموعة أخرى ستبقى. لأن الخيانة التي بدأت تظهر من حيث لا أتوقع قد تعيد ترتيب كل حساباتنا.
وصلنا إلى نقطة بعيدة عن الشاطئ حيث الضوء يظهر خافتاً في الأفق. صمتت هناك لدقائق تبدو كالساعات. الرجل الذي بكى أمس لم يتحدث. ثم همس لي: أمين، إنهم يأتون من الداخل. وأضاف بحزن واضح، وأنا السبب.
لم أسأله كيف. لم أرد أن أسمع التفاصيل التي قد تكون خطة لعذر أو دليل اتهام. نظرت إلى الوجوه حولي، وقلت بصوت حازم، سنكمل الرحلة. اليوم ننجو من هذه الليلة، وغداً نواجه الحقيقة. ربما الحقيقة ستجرحنا، وربما ستقودنا لطريق أنقى، لكن لا شيء الآن سيحول بيني وبين إنقاذ أولئك أمامي.
القارب انطلق نحو المجهول. البحر في تلك الليلة لم يكن فقط طريق عبور، بل مساحة لقرارات لم أعد أملك أن أهرب منها. رأيت في عيون كل شخص إمضاء حياة جديدة، وإمضاء ألم قديم لا يزول. وأنا، أمين، أتحمل ثمن كل ابتسامة نجاة، وأعلم أن ثمنها لن يكون رخيصاً.
النهايات لا تُكتب بسهولة. لكن في داخلّي شعور واحد واضح، مهما تضاعف الخطر ومهما احتدت الخيانات، سأستمر في إخراج من يستطيع الخروج. لأن أمامي وجوه تنتظر الفرصة. وهذا يكفي لأن أستمر.




