قصة 24 ساعة قبل السقوط

لم تكن المدينة تعرف أن الوقت قد بدأ ينفد. الشوارع مزدحمة، الأضواء تعمل، والناس يعيشون يومهم العادي. وحده شخص واحد كان ينظر إلى ساعته ويعرف أن كل دقيقة تمر تقرّب النهاية. أربع وعشرون ساعة فقط، بعدها لن تسقط بناية أو شارع، بل ستسقط مدينة كاملة من الداخل.
القصة
كان سليم يجلس وحده في شقته الصغيرة، يحدق في شاشة الحاسوب دون تركيز. منذ خروجه من الجهاز الأمني قبل عامين، وهو يعيش على الهامش. ليس لأنه فاشل، بل لأنه رأى أكثر مما يجب. في السادسة تمامًا صباحًا، اهتز هاتفه برسالة واحدة فقط:
“24:00:00”
ظنها خطأ أو مزحة، لكن بعد ثوانٍ وصل ملف مشفر. فتحه بحذر، ومع أول صفحة شعر بأن الدم انسحب من وجهه. الخطة كانت واضحة، دقيقة، ومرعبة. شل الطاقة، قطع الاتصالات، تعطيل أنظمة الطوارئ، كل ذلك بتوقيع داخلي واحد. التنفيذ بعد أربع وعشرين ساعة.
بدأ الوقت يتحرك ضده. حاول التواصل مع قياداته السابقة، لكن الردود كانت باردة أو صامتة. البعض نصحه بالنسيان، والبعض حذره من المتابعة. عندها فهم الحقيقة الأولى. الخطر ليس في الخطة نفسها، بل فيمن يحميها.
في الساعة التاسعة صباحًا، لاحظ سيارة سوداء تقف أسفل المبنى. لم تكن صدفة. جمع أغراضه وغادر قبل أن يصلوا إليه. بعد دقائق، اقتُحمت شقته. لم يبحثوا عن أدلة، بل عن نهاية.
مع كل ساعة، كان سليم يفك خيطًا جديدًا. أسماء لمسؤولين، اجتماعات سرية، قرارات أُخذت باسم “المصلحة العامة”. في الواحدة ظهرًا، اكتشف أن الخطة جُرّبت سابقًا على نطاق صغير. حي كامل أُطفئ عنه كل شيء لساعتين، ثم أُعيد وكأن شيئًا لم يحدث.
بدأت المطاردات. شوارع، أسطح، ممرات ضيقة. لم يكن يهرب فقط، بل كان يحاول الوصول. في الخامسة مساءً، واجه شخصًا من الماضي، زميلًا قديمًا، قال له بصوت هادئ:
“المدينة كبيرة، والخسائر مقبولة.”
كانت تلك اللحظة التي فهم فيها سليم أن إيقاف الخطة لن يتم بالقوة. التوقيع لن يُلغى بالرصاص. الحقيقة وحدها قادرة على ذلك.
مع حلول الليل، بدأت أولى الانقطاعات الحقيقية. أحياء غارقة في الظلام، إشاعات، خوف. الوقت الآن 03:12:00. جسده متعب، لكنه لم يتوقف. وصل أخيرًا إلى مركز التحكم. غرفة محصنة، حراس، ونظام لا يسمح بالخطأ.
في الداخل، ظهرت الساعة الكبيرة على الجدار. 00:02:30. دقائق فقط. أصيب، سقط، نهض. لم يعد يرى بوضوح، لكن أصابعه كانت تعرف ما تفعل. لم يعطل النظام، بل فتحه للجميع. بث مباشر. وثائق. أسماء. توقيعات.
توقف العد التنازلي عند الثانية الأخيرة.
النهاية
مع شروق الشمس، كانت المدينة واقفة، لكنها مستيقظة لأول مرة. لم يُذكر اسم سليم في الأخبار، ولم تُرفع له لافتات. اختفى كما ظهر، تاركًا خلفه سؤالًا كبيرًا.
وفي منصة قصص، نؤمن أن أعظم الأكشن لا يكون في الانفجارات، بل في القرارات التي تُتخذ في اللحظة الأخيرة. أحيانًا، 24 ساعة كافية لتغيير مصير مدينة كاملة، إذا وُجد من يجرؤ على الوقوف في وجه الصمت.

