قصة نهاية الطريق

في عالم تتجاور فيه الطرق مع أسرار لا نراها، يبقى هناك جزء مظلم من السفر لا يكتبه أحد. هناك لحظات يتوقف فيها الزمن للحظة قصيرة، ويظن المسافر أنه ما زال يتحكم بمصيره، بينما الحقيقة أن الطريق هو الذي يقرر النهاية. هذه القصة واحدة من تلك الحكايات التي لا تسافر إليها بنفسك، بل هي التي تأتي إليك. حكاية عن ولد خرج بحثا عن بداية جديدة، فانتهى في مكان لم يستطع أحد الوصول إليه من بعده.
القصة
في ليلة باردة كان حسام يقود سيارته متوجها إلى مدينة بعيدة. الطريق طويل، لكنه اعتاد الوحدة. كان كل شيء حوله هادئا بطريقة غريبة. لا سيارات. لا شاحنات. حتى الهواء لم يكن يتحرك. شعور خفيف حاول تجاهله، لكنه ظل يرافقه كظل لا يبتعد.
بعد ساعة من السير لاحظ لوحة لم ير مثلها من قبل. اللوحة كانت معدنية صدئة مكتوب عليها مخرج 13. هو يحفظ هذا الطريق جيدا. لا يوجد مخرج بهذا الرقم. ومع ذلك، ظلت اللوحة تظهر أمامه بوضوح وكأن الطريق نفسه يعرض عليه خيارا غير موجود.
قرر يتابع الفضول. انعطف إلى المخرج.
دخل ممرا طويلا بلا أي علامات. كلما سار تضاءل ضوء القمر. كأن الطريق يغلق على نفسه ببطء. حاول رفع صوت الراديو لكنه لم يلتقط أي قناة سوى تشويش. داخل التشويش كان هناك صوت خافت يكرر شيئا يشبه اسمه، ليست كلمة واضحة لكنها تحمل نبرة يعرفها من طفولته.
بدأ يشعر بارتباك خفيف. نظر في المرآة الخلفية ولاحظ شيئا يتحرك داخل الظلام. لم يكن شخصا ولا حيوانا. كان كتلة سوداء تتغير باستمرار. كل مرة يرمش تصبح أقرب قليلا.
زاد السرعة. الطريق اشتد ضيقا كأنه ينكمش. عاد يحاول الرجوع لكن النقطة التي دخل منها اختفت بالكامل. خلفه أصبح مجرد فراغ يغطيه ضباب كثيف لا يسمح برؤية شيء.
بعد دقائق بدأ يرى محطة وقود قديمة. شكلها يوحي بأنها مهجورة منذ سنوات طويلة. الأنوار مطفأة. الواجهات مكسوة بالغبار. ومع ذلك كان باب المتجر الداخلي مفتوحا قليلا. توقفت سيارته وحدها دون أن يضغط على المكابح.
نزل وهو يشعر بأن المكان يراقبه. لم يكن هناك صوت. ولا حتى حشرة. كأن العالم فقد وجوده في تلك البقعة.
اقترب من باب المتجر. دفعه بيده فصدر صوت خفيف. الداخل فارغ. الرفوف خالية. السقف منخفض بشكل غير مريح. ومع ذلك شعر وكأن شخصا ما يقف خلفه. لم يسمع خطوات لكنه أحس بالوجود بوضوح.
التفت بسرعة.
لم ير شيئا.
لكن في اللحظة نفسها انطفأت كل الأنوار، وتحول الهواء إلى صمت كامل.
كان هذا آخر ما شعر به.
بعد ثلاثة أيام عثر عمال الطرق على سيارته متوقفة على جانب الطريق الرئيسي. الأبواب مفتوحة. المفتاح في مكانه. لم يكن فيها شيء مكسور أو ضائع. فقط غياب تام لسائقها.
تم مراجعة كاميرات الطريق. أظهرت السيارة وهي تنعطف إلى المخرج الذي يفترض أن يكون غير موجود. بعد ثوان ينقطع تسجيل الكاميرا كأن شيء مر أمام العدسة وابتلع الصورة. بعدها يصبح الطريق فارغا. لا سيارة. لا آثار عجلات. فقط شارع صامت لا يعطي أي إجابة.
لا أحد عرف ماذا حصل لحسام.
وبعد الحادثة بأسبوع ظهرت اللوحة نفسها لعدة ثوان قبل أن تختفي. بعض السائقين أقسموا أنهم رأوها، ثم لم يجدوا لها أثرا عند العودة.
كأن الطريق كان يختار ضيفه التالي.
النهاية
تظل هذه القصة واحدة من تلك الأسرار التي لا تجد مكانها داخل ملفات الشرطة، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة الطريق. هناك طرق تراها كل يوم لكنها تخفي خلف هدوئها بوابات لا ينبغي فتحها. حسام لم يكن يبحث عن مصير مجهول، لكنه وجد طريقا لا يسمح بالعودة. والشيء المرعب ليس ما يحدث داخل الظلام، بل أن المخرج الذي اختفى قد يعود للظهور في أي ليلة هادئة. وربما ينتظر مسافرا آخر لا يعرف أن النهاية ليست دائما عند آخر المدينة.






