قصة عندما سقطت الطفولة ج2

مرحبًا بكم في الجزء الثاني من رحلة سامر — ضابطٌ يجري في عروقه قانون المدينة ودم أبٍ لا يهدأ. بعد الليلة التي تحطمت فيها براءة لمى وحين انطفأت بعض الأضواء في بيتنا، تنكشف لنا طرق جديدة لا تقل ظلمة عن الأولى: عن تحالفاتٍ مخفية، عن وجوهٍ تتقن الابتسامة لتخفي جريمة، وعن قانونٍ يتراجع حين تشتدّ الرشاوى.
القصة
المستشفى كان يفتح عليّ فمه كما لو أن المدينة كلها تهمس في أذني: اصمد، تحمّل، أو انهار. لمى كانت هناك، جسدها صغير ومحاط بأجهزة تصدر أضواءً. يردد الأطباء كلمات لا تعطيك إجابات نهائية — “فرصة”، “احتمال”، “أمل ضئيل” — بينما قلبي يصرخ بأحكام قاطعة لا تُقبل الظلال: ألم، فقدان، ثأر. جلست لساعات أقرأ تقاريرهم وكأنني أتصفح ملفات مجهولة المصدر، كل سطر يُشعل غضبًا جديدًا أو يطفئ شعلة أمل.
في مركز التحقيق، الوجوه ثابتة لكن العيون مختلفة؛ بعضهم يتظاهر بأن العمل لا يتأثر بمصائرنا الشخصية، وبعضهم — أصدقائي — يحاول أن يقول بلا كلمات: “تمالك نفسك.” لكن كيف تمسك إنسانًا ينكسر العالم تحت قدميه؟
ثمة عمل يجب أن يُنجز. الجريمة لم تكن فوضى عابرة؛ كانت خطة مدروسة، وكان في تفاصيلها توقيع محترفين. بدأت من جديد: تحليل التسجيلات، تتبع المركبات السوداء، مقابلات مع شهودٍ ارتجفوا من الخوف أو من الوعي بأن اللسان الأخير قد يكون سبب موتهم. كل خيط يقودني إلى شبكة أكثر عتمة من المتوقع: تجارة، أموال قذرة، ومجموعات تعمل بصلابة متناهية ضد القانون.
سأعترف بشيء أمامك بلا تملّق: معدّاتي لم تعد كافية. الشر متقن بالآلات والمال. القانون يتكئ على الأوراق والبروتوكولات، بينما العصابات تتكئ على الخوف والسرعة. كل ليلة، أحلم بأنني أضع يدي على زرّ يحرك المستشارين، يجري تحويل الأوامر، تُنقض كابوسات المدينة. وفي النهار أواجه إعاقة بيروقراطية لا تُطاق: تواقيع، تصاريح، ضوابط تكاد تُرضي الضمائر أكثر من السلامة.
دخل “حكيم” — رجل لم يعرف اسمه القانوني، لكنه كان اسمًا واحدًا على كل لسان في السوق السوداء. أخبرني بصوت منخفضٍ واضح: “هناك من يريدون رسالة، وإرسال الرسائل مكلف. لمى؟” صوته لم يحاول أن يخفف، لكنه وضع النقاط على الحروف. أعطاني مكانًا، عنوانًا خشبيًا قرب الميناء، ومعلومةٍ واحدة: “ستجدون من لا يخافون الموت، لكنهم يخافون من أن تُكشف مصالحهم.” أخذت المعلومة وأمسكت بها كما يمسك آخر رجلٍ على متن سفينةٍ متشققة بحبل النجاة.
المفتاح هنا ليس القوة وحدها، بل من يمتلك أداة تشغّل هذه القوة. لجأت إلى طرقٍ غير رسمية: أصدقاء قدامى في الشوارع، شرطيان لا يزالان يؤمنان بي، ورجل قديم اسمه عبد القادر كانت يعرف تفاصيل لا يملكها أحد عن طرق التهريب. كل من قابلتهم ألقى بظلالٍ من الماضي على حاضري. تراكمت المعلومات، وصعدت الصورة بوضوحٍ يكاد يُخنق: أحد وجوه العصابة كان يرتبط بعصبة سياسية ــ تجارية تمتد جذورها لأماكن رسمية.
الاختبار الأكبر جاء عندما رأتني إدارتي أتردد: “لا تذهب وحيدًا.” هذه الجملة كانت في الأساس أمرًا مهنيًا، لكنني شعرت أنها تحرس توازنًا لا أصدّقه. ذهبت وحدي.
ليلة الميناء كانت باردة لدرجة أن المدينة بدت وكأنها تبرد من داخلها. السفن القديمة تُصدر أنينًا، والقوارب التي كانت تستخدم لنقل الحبوب الآن تنقل أشياءً أخرى. رأيت نافذة صغيرة مضاءة، ظل يتحرك، ثم ثلاثة رجال يخرجون من مخزنٍ مهجور. ترصّدتُ للمشهد من مسافة آمنة، أبقيتُ هاتفي يخزن الأصوات والصور حتى لا أحتاج إلى إثباتٍ آخر. قدمتُ تقاريري، طلبت تعزيزات، وكان الجواب هذا المرة أسرع. لكن في تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ آخر: سحبٌ من الغضب يدفعني للأمام.
صوت رصاصة مفاجئ، ضحكة قصيرة، ثم صراخ. هرب أحدهم، والباقي ظلوا في موقعهم. تدخلت، لكن ليس بطريقة رسمية؛ استخدمت الظلام كسلاح، وخبرتُ كيف تتلوّن الجدران بألوان جديدة عندما تمسك بقبضة الانتقام. قبضنا على اثنين فقط، لكن واحدًا فيهم حمل ورقةً — ورقة تحمل اسمًا مؤسفًا: “المهندس.” اسم مركزي، رجل أعمال له علاقات إلى أمكنة لا يسمح لها القانون بأن تُذكر إلا في همساتٍ خفية.
في غرفة الاستجواب، لم أخفِ صراعي. نظرت في عيون أحدهما وقال بصوتٍ بارد: “أنت لا تفهم أي شيء. القوانين التي تحرسك تحرسنا أيضًا. هناك من يدفع، وهناك من يأخذ.” أردته أن يخاف، أردته أن يلعن قراراته. لكن الخوف هنا لا يشتغل كما في الروايات. الخوف هنا محاط بعقودٍ من المال والرموز. وصفّتُ تفاصيل، وأرسلت الأوراق إلى من يجب أن يرى.
عدت إلى المستشفى. لمى لا تزال هناك، قلبها ينبض، لكن الحبل الرفيع بين الحياة والموت مازال ممتدًا. في الطريق، فكرت في العنوان الذي وجدته، في الرجل الذي له أذرع تمتد نحو مكاتب رسمية. فكرت في الخيانة التي قد تكون أقرب مما أتصور. فكرت في قراري القادم.
هنا نقطة القرار، ولن أخبئها عنك: القانون أمامي، والانتقام في داخلي. كلاهما يطلبان نفس الشيء — تعديل الميزان. أنا الآن في مفترق الطرق. إن اخترت القانون فسأضع الأدلة أمام مجلس القضاء، سأتحمل بطء العدالة، وسأدفع ثمناً شخصيًا باهظًا: الانتظار، والتقويض، وربما فناء ما تبقى من عائلتي نتيجة صراع السلطة. إن اخترت الانتقام فسأفقد روحي شيئًا فشيئًا، سأصبح صورة ممسوخة من الرجل الذي وعد بأن يقف عندما ينهار المجتمع.
أنهي هذا الجزء هنا ليس لأهرب، بل لأضعك أمام السؤال الذي أضعه أمام نفسي كل صباح: أيّ رجل أريد أن أكون حين تُغلق الأبواب وتبقى الحقيقة وحيدة؟ سأذكرك بشيء واحد قبل أن أذهب — أن المدينة تعلمك طرقًا كثيرة للوقوع، لكنها لا تعلمك كيف تنهض بعد ذلك. غدًا سأقرر الطريق. ولمعرفة أي طريق اخترت، عليك قراءة الجزء التالي.


