قصة مجرم لا يخطئ

في المدن التي تختبئ خلف ضجيجها أسرار كثيرة، يولد أحيانا شخص يغيّر قواعد اللعبة بدون أن يمتلك قوة خارقة، فقط عقل قادر على رؤية ما يعجز عنه الآخرون. هذه قصة مجرم لا يحمل سلاحا فتاكا ولا قدرة فوق الطبيعة، بل يمتلك شيئا أخطر… القدرة على قراءة الحركة قبل وقوعها. كل خطوة ضده تصبح متوقعة، وكل فخ منصوب يتحول إلى هدية يهرب بها بسهولة. الشرطة وصفته بأنه يتنبأ بالمستقبل، لكن الحقيقة كانت أبسط وأخطر.
القصة
بدأ كل شيء مساء يوم خريفي، عندما دخل العارف إلى بنك صغير في الحي التجاري. لم يحمل سلاحا، ولم يغلق بابا، فقط وقف أمام الطابور كأنه زبون عادي. عشر ثوان فقط كانت كافية ليمسح المكان بعينيه. حارس الأمن يميل بثقله على قدمه اليمنى. هذا يعني أنه سيتأخر نصف ثانية قبل أن يرفع سلاحه. الموظف خلف الشباك يلمس جبينه كلما توتر. هذا يعني أن صوته سيهتز عند أي تهديد. مدير البنك يفتح هاتفه كل دقيقة. هذا يعني أنه مشتت وغير جاهز لأي مواجهة.
كان العارف يرى كل هذه التفاصيل كأنها إشارات ضوئية فوق رؤوسهم.
اقترب من الشباك، وضع ورقة، ثم قال بنبرة هادئة:
“لا تتحرك. فقط أعطني الحقيبة السوداء تحت المكتب.”
ارتبك الموظف. لم يفهم كيف عرف بوجود الحقيبة. لم تكن ظاهرة أبدا. الحارس قام سريعاً، لكن العارف سبق حركته قبل أن تبدأ. استدار نصف خطوة، فتح ذراعه قليلا، كأنه يقرأ مسار الطلقة لو أطلق الحارس النار.
قال للحارس دون أن ينظر إليه:
“لا ترفع السلاح أكثر. أنت تتحرك ببطء لأن ركبتك تؤلمك.”
جمد الحارس.
كيف عرف الرجل إصابته؟
خرج العارف ومعه الحقيبة بلا صراخ، بلا تهديد، بلا ضجيج. وكأن الجميع وافق على خروجه.
بعد دقائق وصلت الشرطة. وبعد مراجعة الكاميرات اكتشفوا المفاجأة…
الرجل لم يفعل شيئا خارقا. حتى حركته كانت طبيعية جدا.
لكن الأغرب أنه كان يتفادى كل زاوية تصوير بدقة، كأنه يعرف أين تقع كل كاميرا.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أكبر مطاردة في تاريخ المدينة.
الضابط المسؤول عن القضية كان اسمه سامر. رجل صارم، يؤمن أن كل مجرم يترك أثرا مهما حاول إخفاءه. لكن العارف كان استثناء.
كل مرة يقترب فيها سامر من القبض عليه، يجد نفسه متأخرا بخطوة، خطوة واحدة فقط، لكنها كافية لتحطيم أعصابه.
في إحدى الليالي، تلقى سامر معلومة عن مكان وجوده في مستودع مهجور عند أطراف المدينة.
تحركت قوة كاملة.
وصلوا بصمت، أغلقوا كل المداخل، انتشروا خلف الأسوار.
لكن قبل أن يعطوا الإشارة للاقتحام، لاحظ سامر أمرا غريبا…
باب المستودع مفتوح قليلا، وكأنه ينتظرهم.
دخل سامر أولاً.
كان المكان خاوياً إلا من كرسي وعليه دفتر صغير.
اقترب، فتح الدفتر، فوجد كلمات مكتوبة بخط واضح:
“كنت أعرف أنك ستأتي الليلة. أنت تترك قدمك اليسرى متقدمة نصف خطوة عندما تكون متحمساً. وهذا يعني أنك حصلت على معلومة مهمة.”
تجمد سامر.
هل كان العارف يراقبه؟
هل يعرف تفاصيله هو أيضا؟
قلب الصفحة التالية فوجد جملة أقسى:
“لو أردت الإمساك بي، توقف عن التفكير مثل شرطي. ابدأ بالنظر. فقط انظر.”
شعر سامر بأن أحدهم يراقبه. مر الضوء فوق الجدار.
التفت بسرعة، لكنه لم يجد شيئا.
في الخارج، لاحظ أحد عناصر الشرطة ظلا يتحرك فوق سطح المستودع، لكن حين ركض نحوه وجد السطح خاليا.
كان العارف هناك قبلهم… ثم رحل بثوان.
تكررت جرائمه.
لم يستخدم العنف.
لم يهدد أحدا.
كان يأخذ ما يريد، ويختفي.
الصحف وصفته باللغز.
الناس قالوا إنه يرى المستقبل.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأخطر…
عقله كان يسبق حركة الآخرين لأنهم يتحركون بتكرار، بينما هو يرى التفاصيل الدقيقة التي لا ينتبه لها أحد.
وفي ليلة ممطرة، وقع الحدث الذي غيّر كل شيء.
وصلت للشرطة رسالة صوتية قصيرة من مجهول.
الصوت كان هادئا، مرتبا، وهادئاً بشكل يثير القلق.
كان صوت العارف.
قال فيها:
“سامر… تعال وحدك إلى الجسر القديم. الليلة تنتهي اللعبة.”
تحرك سامر دون انتظار.
وقف على الجسر تحت المطر.
وبينما كان ينظر نحو الظلام، ظهر العارف من خلف عمود الإضاءة، وكأن الظلال كانت تخفيه رغم أنه يقف في العلن.
تقدم ببطء، عيناه ثابتتان.
قال سامر:
“لماذا كل هذا؟”
رد العارف بهدوء:
“لأنني أردت أن أرى… هل يوجد شخص واحد يقدر على فهمي؟”
اقترب أكثر.
“الجميع يتحركون بنفس الطريقة. نفس الخوف. نفس الأخطاء. العالم كتاب مكشوف. لكنك مختلف… أنت تقاوم. تقرأ. تفكر.”
رفع سامر يده ليشير للقوة أن تتحرك، لكنه صدم عندما رد العارف فورا:
“لا ترفع يدك. أنت لم تجلب أحدا. أنت تعرف أني سأكتشفهم.”
توقف سامر.
كان الرجل يعرف ما سيقوله قبل أن ينطق به.
كانت هذه القدرة مخيفة أكثر من أي سلاح.
مد العارف يده، كما لو أنه يسلم نفسه.
لكن قبل أن يلمس سامر يده، سمع صوت سقوط خلفه.
التفت بسرعة.
حارس الجسر سقط بسبب انزلاق في المطر.
لحظة تشتيت كانت كافية.
وعندما عاد سامر بنظره…
اختفى العارف.
ترك خلفه فقط ورقة صغيرة، مكتوب فيها:
“أراك عندما تتعلم أن ترى.”
مرت شهور، وما زال العارف حرا.
لا أحد يعلم أين يختفي.
لكن سامر بدأ يغير طريقة عمله.
بدأ يراقب الناس بطريقة مختلفة، ويدرس التفاصيل الصغيرة، وكأنه يتعلم لغة جديدة.
ومع كل ليلة يعود فيها إلى مكتبه ويفتح ملف “العارف”، يشعر أنه يقترب خطوة… لكنه أيضا يفهم السبب الذي جعل الإمساك به مستحيلا.
لأن هذا الرجل لا يهرب، بل يتحرك في عالم لا يراه أحد.
عالم مبني على الحركة والعيون والخوف والارتباك.
ولأن الحقيقة الأكثر رعبا ليست أن العارف مجرم ذكي…
بل أنه مرآة تكشف كل شيء نخفيه، وتفضح ما لا ننتبه له.
ولأن هذا النوع من البشر لا يُقبض عليه بالقوة…
بل بفهمٍ يعادل فهمه.
وهذا هو الشيء الوحيد الذي ما زال العالم عاجزا عنه.
النهاية
ظل “العارف” لغزا لا يُفهم، ليس لأنه خارق، بل لأنه استخدم شيئا نملكه جميعا لكن لا نُتقنه: مراقبة العالم بتفاصيله الدقيقة. لم يكن بطلا ولا وحشا، بل إنسانا عرف نقاط ضعف الجميع باستثناء نقطة ضعفه الوحيدة… أنه لا يستطيع التوقف. ومع كل عملية جديدة كان يترك وراءه سؤالا واحدا، سؤالا أربك الشرطة والجمهور وكل من تبع قصته:
هل هو مجرم ذكي… أم مرآة تكشف غباء العالم من حوله؟


