قصة ليلة في الميناء

في منصة قصص نؤمن أن أكثر الحكايات إثارة ليست تلك التي تعتمد على الخيال، بل التي تولد من قلب الواقع، من أماكن نمر بها كل يوم ولا نلتفت إلى ما قد يحدث فيها بعد منتصف الليل. هذه القصة تدور في ميناء بحري هادئ ظاهريًا، لكنه في تلك الليلة كان يخفي سرًا ثقيلًا بين الحاويات المعدنية الباردة.
القصة
كان سامي يعمل حارس أمن في الميناء منذ ثلاث سنوات. شاب هادئ، دقيق الملاحظة، يعرف أصوات الرافعات كما يعرف نبرة صوته. كان يؤمن أن العمل البسيط إذا أُدي بإتقان يصبح مسؤولية كبيرة.
تبدأ نوبته عادة في الحادية عشرة ليلًا. البحر في ذلك الوقت يبدو أسود كالزيت، والهواء مشبع برائحة الملح والديزل. الأضواء الصفراء تلمع فوق صفوف الحاويات المرتبة كجدران مدينة معدنية صامتة.
في تلك الليلة، لم يكن هناك شيء مختلف في البداية. تفقد الكاميرات، سجل حركة الشاحنات، راجع أرقام الحاويات في دفتره. لكن عند الساعة الواحدة وسبع عشرة دقيقة، لاحظ أمرًا صغيرًا.
حاوية رقم C-1847 تم تسجيلها على أنها ستبقى في الساحة حتى الصباح، ومع ذلك ظهرت على الكاميرا شاحنة تقترب منها. أوقف التسجيل وأعاد المشهد. الشاحنة لم تكن ضمن الجدول الليلي.
اتصل بالمشرف المناوب.
لم يجب أحد.
خرج من غرفة المراقبة واتجه إلى الساحة الثالثة. الريح كانت أقوى الآن، وصفيرها بين الحاويات يصنع صوتًا مزعجًا. اقترب بحذر، مستندًا إلى الظلال بين الصفوف.
رأى رجلين يرتديان سترات عاكسة للضوء، لكن حركتهما لم تكن طبيعية. أحدهما كان ينظر حوله باستمرار، والآخر يحاول كسر القفل الخارجي للحاوية.
تراجع سامي خطوة. كان بإمكانه تشغيل الإنذار فورًا، لكن شيئًا داخله قال إن الأمر أكبر من مجرد سرقة عادية. أخرج هاتفه وبدأ بتصوير المشهد من بعيد.
فجأة، انفتح باب الحاوية قليلًا. الضوء الداخل كشف محتوياتها. لم تكن بضائع عادية. كانت صناديق معدنية صغيرة، مختومة بعلامات تحذيرية.
أحد الرجلين قال بصوت منخفض
“أنهِ الأمر بسرعة قبل أن يصل التفتيش الصباحي.”
تجمد سامي في مكانه. التفتيش الصباحي يعني أن هذه الشحنة لا يفترض أن تُفتح الآن. إذا تم إخراج شيء منها، فسيُتهم هو بالتقصير لأنه المسؤول عن الساحة هذه الليلة.
عاد بهدوء إلى غرفة المراقبة وأغلق البوابة الإلكترونية المؤدية إلى الساحة الثالثة من النظام الداخلي. صوت الإغلاق الآلي دوى في المكان.
الرجلان التفتا فجأة.
بدأ التوتر يتصاعد. حاول أحدهما تشغيل الشاحنة، لكن البوابة المغلقة منعت خروجهما. ركضا بين الحاويات، يحاولان إيجاد مخرج جانبي.
سامي لم يكن مسلحًا سوى بجهاز اتصال وعصا أمنية. لكنه كان يعرف الميناء مترًا مترًا. أغلق ممرًا آخر من النظام، وفتح طريقًا واحدًا يقود إلى منطقة مراقبة بالكاميرات المكثفة.
كان يدفعهما دون أن يظهرا ذلك.
أحد الرجلين لاحظه أخيرًا.
“هو هناك!”
انطلقت مطاردة قصيرة بين صفوف الحديد البارد. لم تكن مطاردة سينمائية، بل سباق أنفاس وصوت أحذية تضرب الأرض الإسفلتية.
اختبأ سامي خلف حاوية، ثم التف بسرعة وأغلق باب ممر ضيق يدويًا. الرجلان علقا بين صفين متوازيين بلا منفذ واضح.
في تلك اللحظة، وصلت سيارة دورية تابعة لإدارة الميناء. كان سامي قد أرسل إشارة طوارئ صامتة قبل خروجه من غرفة المراقبة.
تم القبض عليهما بعد مقاومة قصيرة.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت مع فتح الصناديق داخل الحاوية بحضور الجهات المختصة. لم تكن مجرد بضائع مخالفة، بل معدات خطيرة مهربة بطرق ملتوية، مخفية ضمن شحنة قانونية.
في التحقيقات، اتضح أن هناك موظفًا داخليًا سهّل دخول الشحنة وتغيير بياناتها في النظام. لو لم ينتبه سامي لتلك الدقيقة الواحدة، لخرجت الشحنة بهدوء قبل الفجر.
بعد أيام، عاد الميناء إلى هدوئه المعتاد. نفس الرافعات، نفس صفوف الحاويات، نفس رائحة البحر.
لكن سامي لم يعد كما كان.
أدرك أن يقظته لم تحمِ وظيفته فقط، بل ربما منعت كارثة أكبر. لم يكن بطلاً خارقًا. لم يطلق رصاصة، ولم يقفز فوق أسطح. كل ما فعله أنه انتبه لتفصيل صغير، ورفض أن يتجاهله.
وفي عالم مليء بالضجيج، أحيانًا يكون الانتباه هو أقوى سلاح.
النهاية


