قصص أكشن

قصة عندما سقطت الطفولة ج6 والأخير

أنا سامر. وصلت الأمور إلى لحظة تُجبرك على الحساب ليس مع الأعداء فقط، بل مع نفسك. هذا الجزء الأخير لا يقدّم حُكمًا نهائيًا ولا يُنهي الجراح دفعة واحدة؛ هو اختبار نهائي لِما تبقّى من إنسانيتنا. ستقرأ عن نتائج ما فعلنا — عن محاكماتٍ تُفتَح وأقنعة تُسقط، وعن ثمنٍ شخصي دفعناه جميعًا. اقرأ إن كنت تريد أن تعرف: هل يمكن لمدينة تُربّى على الخوف أن تغيّر مسارها، أم أننا فقط بدّلنا أيديًا تمارس نفس اللعبة؟

 

 

 

القصة

 

 

 

أنا سامر. هذه هي النهاية التي لم أعد أبحث فيها عن براءة كاملة، بل عن نتيجة حقيقية تكسر عظام الكيانات التي اعتادت أن تمشي فوق ظهر الناس. النهاية التي جمعت بين ألم لا يُمحى ومكاسب لا تُنكر، بين دفنٍ جزئي وولادةٍ جزئية أيضاً. هكذا تعمل الحياة في المدينة: لا تعطِك خاتمة واحدة، بل تقايضك بنهايتين في آن.

بدأت محاولتنا بنشر الوثائق. الصحفي وضعها على الطاولة، والشبكة الإعلامية أطلقتها كقنبلة صوتية. الشوارع هدّت، الناس خرجت، ووجوه كانت تُشاهد على الشاشات في البيوت والمقاهي، ووجوه أخرى حاولت الاختباء. النيابة فتحت تحقيقاً عاماً، ودوائر البرج التي ظنناها حصينة بدأت تتصدع. اعتقالات تمت في منتصف الليل، بعض الوجوه الكبيرة ذُكرت أسماؤهم لأول مرة بدون ألقاب حماية. كانت فرحة ميدانية، لكنها لم تكن انتصاراً نهائياً: كثيرون فرّوا قبل أن تُغلق الأبواب، والعديد منهم استبدلوا صورهم وواجهاتهم وانتقلوا إلى ميدان جديد.

في المستشفى كانت المعارك الأخرى. فارس لم يمت — لكنه دفع ثمناً باهظاً. أصيب بإصابة أدت إلى فقدانه لحركة جزئية في ساقه وذاكرة قصيرة الأمد عن أيام. أما لمى فتعافت بشكلٍ جعلنا نحتفل بصمت: عادت ضحكتها لكنها لم تعد بريئة كما كانت؛ عقل طفل يتعلم أن العالم ليس آمناً. كانت جلسات العلاج طويلة، وكانت لياليها تعباً لي مطولاً. لم أعد أؤمّن لها طفولة كاملة، لكنني نظرت إليها يوماً وهي ترسم شجرة حمراء، وأدركت أن شيئاً في داخلنا لا يزال حياً.

المهندس واجه تحقيقاً عاماً، وواجه محكمة حيث أُلقيت عليه تهم غسيل أموال وتواطؤ مع مسؤولين. لم يُحبَط كلهم داخل القضبان؛ بعض الواجهات سُحبت، بعض العقود أُلغي، لكن أذرعهم الإعلامية والمالية لم تُقَطَع تماماً. بعض المسؤولين استقالوا تحت ضغط الشارع، آخرون تغيرت رتبهم إلى مقاعد أكثر ظلالاً. العدالة فعلت شيئاً، لكن المدينة علمتني أن العدالة العملية تعمل بالمقاييس غير المثالية: سجن للعديد، صفقة لبعض، وهروب لآخرين.

أنت تعرف ما دفعني ثمناً — أكثر من أي عقوبة رسمية. إدارة الداخلية علّقتني مؤقتاً بسبب تجاوزات في الإجراءات؛ سجلي المهني تلطّخ ببعض الكلمات التي كتبتها لي تلقي تفسيراتها. تمّت ملاحقتي إدارياً وقانونياً حتى يُظهر النظام نفسه كمن يفرض قواعد اللعب. لم أهتم بالشكليات حينها. لقد دفعت ثمن القسوة التي استخدمتها أحياناً، ودُفعت ثمنات أخرى — علاقات تآكلت، صداقة انهارت، نومي لم يعد يعبره حُلم ساهٍ.

لكن لمسنا نوراً حقيقياً: تغييرات على بعض القوانين المؤقتة، رقابة أفضل على بعض الحدود المصرفية، وإعادة فتح ملفات فساد طال أمدها. قضاة جادون بدأوا ينظرون بجدية، وصحافة مصرّّة لم تُخفِ وجهها. هذا ليس انتصاراً كاملاً، لكنه إنذار. الفساد لم يُقضَ عليه لكن ظهرت رائحة حرق في مخبئه.

أعود الآن إلى الليالي التي تلت. أجلس في غرفة صغيرة بجانب سرير لمى، أقرأ رسوماتها، وأحاول أن أتعلم كيف أكون أباً بعد أن تحولت شجاعتي إلى قطع في اليد. أحيانا أنظر إلى الشوارع وأحسب الأسماء التي سقطت أو نجت. الإنسان الذي كنت عليه قبل كل هذا لم يمت تماماً، لكنه انشطر بين رجل قانوني وآخر انتقامي — ولكل قسمة ثمنها. اخترت أن أمشي على حافة القانون لأجل الحق، لكنني احتفظت بذرة الرجاء أن لا أهبط لأصبح ما قاتلت ضده.

القارئ يتساءل: هل النهاية هذه؟ لا. النهاية هنا آلة زمنية تعمل ببطء. ما حققناه جعل المدينة تتنفس قليلاً أكثر، لكنه أيضاً أعاد ترتيب الطاولات تحت ضوء جديد. بعض الوجوه الكبيرة باتت تحت المجهر، وبعضهم هرب وبدأت مسارات جديدة. لكن الأكثر أهمية: تعلمت أن العدالة لا تنجزها سلاح واحد. الحاجة إلى قانون نزيه، صحافة حرة، مجتمع يقبل الواقع ولا يرضى عنه — كلها أدوات يجب أن تعمل معاً.

في الصباح الأخير من هذه السلسلة، خرجتُ من باب المستشفى ومعي لمى تمسك يديّ. لم تعد قابلة للاختفاء خلف ذراعي كحماية فقط، بل تقف معي بصوتٍ صغير تقول: “بابا، متى سنزور البحر؟” قلت لها بصراحة لا تزييف فيها: “قريباً. سنبني شيئاً معاً.” لا أدري إن كان كلامي وعداً أم خداعاً، لكني أعلم شيئاً واحداً: ما فعلته كان ضروريًا. لم يكن كاملاً، ولا نقيًا، لكنه فعل أزال بعض الغبار عن العيون.

هذه النهاية. ليس انتصارًا ملحميًا، ولا هزيمة مطلقة. إنها نهاية لا تغلق السؤال، بل تفتح أكثر: كيف سيحمي مجتمعٌ غاضبٌ حقه دون أن يتحول إلى آلة انتقام؟ كيف نُعلّم الأطفال الضحك في مدينة تعلمهم الحذر؟ أنا سامر؛ لم أعد أبحث عن براءة كاملة، بل عن توازن هشّ يجعل لصوت القانون وجودًا حقيقياً وسط الصراخ. وإذا أردت أن تعرف ماذا سيحدث بعد؟ انتبه لصغائر الحياة: الصحفي الذي لم يهدأ، القاضي الذي اختار النزاهة، وفتاة صغيرة ترسم شجرة حمراء تحاول أن تكبر.

النهاية

 

 

وهكذا نكون قد أنهينا رحلتنا الطويلة مع قصة الضابط سامر، قصةٍ امتدت على مدى ستة أجزاء مليئة بالتشويق، الألم، والبحث عن العدالة. قمنا بكل ما بوسعنا لنقدّم لكم عملاً متكاملاً يأخذكم إلى عمق النفس البشرية، ويُريكم كيف يمكن للخير والشر أن يتصارعا داخل إنسان واحد.

استغرق منا العمل على هذه السلسلة شهورًا من الكتابة والإتقان حتى تخرج إليكم بهذا الشكل الذي يليق بكم وبعشّاق القصص الحقيقية والمعقّدة.

نتمنى أن تكون قد نالت إعجابكم، وأن تعيشوا كل لحظة منها كما عشناها نحن في كتابتها.
ولأنّ الحكايات لا تنتهي، ترقّبوا قصصًا أقوى، أعمق، وأكثر إثارة فقط على موقعكم المفضل قصص.

كن دائمًا معنا… فالقصة القادمة قد تغيّر نظرتك للعالم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.