أنا سامر. ضابط مرور؟ لا. ضابط تحقيقات، لكن في المدينة هنا لا تُقاس رتبنا بعدد الألقاب بل بعد مَن يبقى واقفًا حين ينهار المجتمع من حوله. أكتب هذه السطور والليل لا يزال يرافقني في عظامي — رائحة البن المثلج لا تزال في كفيّ، ونصف وجه يضيئه ضوء صفارة سيارتي.
في الليالي التي يليها النور ويُفترض أن أكون فيها مع لمى، أعود لأعرف أنها نائمة بالفعل: شعرها مبعثر، دمية صغيرة تحت ذراعها، وورقة رسم ملقاة على الطاولة. لمى تسميها “حكاية النجاة” بالرغم من أنها لا تتجاوز العاشرة. تقول إن لكل رسمة قصة تنجو منها. أضمن أن أمها توقظها صباحًا وتغني لها نفس النشيد. أما أنا فأمـشي على خيط رفيع بين البيت والشوارع، بين وعد وأداء، بين دمعة وعدالة.
ليلة السرقة الكبرى بدأت بإشعار هادئ في الساعة الثانية فجرًا: “تحركات لعصابة جديدة، مخططون من طراز آخر. قد يستهدفون قافلة أموال الساعة الرابعة.”
لا أحد يتلقى مثل هذه الإشعارات وهو لا يشرب قهوته. لا أحد يستعد دون أن يشعر بالبرد يدخل في عظامه. ذهبت إلى مركز العمليات، أحدث تقارير، واستمعت إلى أصوات الزملاء الذين هم أيضًا سواعد المدينة. تلقينا أوامر بالتربص عند محطات الطريق السريع، تفريق الزحام، انتظار إشارة التحرك.
الخطط الجيدة تعتاد على الصمت. خطة العصابة كانت أفضل من معظم الخطط التي رأيتها، لكن لا شيء أقوى من حافة إحساسك بشيء سيء قادم. وصلت التقارير أن سيارة سوداء توقفت بالقرب من محطة البنزين على طريق السريع، وأن الرجل الذي يدير العملية كان يحمل خبرة سنوات. طلبت من فرقتي أن يلتزموا بالأسوار، لا إقدام على قرارات فردية. لكننا بشر، والليلة طويلة على كل قراراتنا.
المطاردة بدأت كإحساس واحد: صفارة، ضوءان، ثم انفجار — صوت لا يُنسى، حريق صغير يلتهم جانب الطريق. مسدسات، أفراد يصرخون، سيارات تتحطم. العصابة استخدمت قنبلة دخان ثم رائحة بنزين معدلة لإشعال الفوضى، وبالرغم من بروتوكولاتنا، هم اختبروا ما لا يُختبر. في كل ثانية كنت أتذكر وجه لمى عندما تطلب مني ألا أغادر البيت مرة أخرى صباحًا، كأنها تقرأ علامات التحذير على جبيني.
أمرٌ واحد خانني: خبر أن العصابة ليست هنا فقط للسرقة. كانوا يريدون رسالة. اختاروا هدفًا رمزيًا — مركز توزيع صغير في الضاحية حيث تعمل “شركات محترفة” لتعبئة الأموال. وعندما التهديدات تتزايد، يتشعب الوضع إلى الشوارع الثانوية، والأحياء الآمنة تتحول إلى ساحات قتال.
تلقيت اتصالًا من غرفة العمليات: “هناك دبابة صغيرة، لا، سيارة مدنية تم تحويلها… تتحرك باتجاه حيّك.” لم أُصدق. حبيبة الباطن تقول إنهم قد يضغطون على أرواح الأهالي، يستخدمونهم كستار. في لحظات، كل شيء ينهار: الخطة، الوقت، الوضوح.
أدركت أن لمى في بيت والدتها — لا تزال هناك أماكن نعود إليها لنجتمع قبل أن يُهدم كل شيء. أرسلت رسالة سريعة: “ابقِ في المنزل، لا تفتحوا للغرباء.” ثم حاولت أن أكون الرجل الحازم الذي يتبع القاعدة، الذي لا يغامر بحياة الفريق. لكن المدينة لا تسأل عن قواعد عندما تصرخ.
الملحمة صارت أقرب. بعد ساعة من القتال، وصلت تقارير عن اشتباكات في الشوارع الجانبية القريبة من البيت. فرق الضبط النفسي، دراجات طوارئ، بسطات متناثرة، نافورة ماء تحولت إلى مرآة مكسورة. طلبت إذنًا بالانفصال بجزء من القوة للتمشيط حول منطقتي. الموافقة جاءت متأخرة، وكأن الوقت نفسه قرر ألا ينتظر أحدًا.
وصلت إلى الشارع الذي أسكن فيه. أُحاطت بروائح الخشب المحترق، رائحة البن المبعثر، وصوت بكاء خافت من نافذة في الطابق الأول. قلبك يكون آلة ضخمة هنا، يضخ ويرفض أن يصدق. رن جرس الباب، صوت طرق أشبه بقبضة مطرقة على صدر المدينة.
أميال من الوعود تتكسر عندما تسمع صراخًا واحدًا: “لمى!”
لا أقسم بأي شيء أكبر من تلك اللحظة. لا طقوس، لا تدريب، قالوا إن الواحد منا سيتحمل، لكن لا أحد دربني على أن أكون أبا في ساحة قتال.
فتحت الباب، ورأتني أمها وهي تحاول أن تمنع الدخان من الدخول. كانت عينان لمى مترنحتان، لم تضع القوة الكافية حتى على دميتها. ثم جاءت الدقائق الممزقة: صراخ، أم تلو الأخرى، جيران يحاولون إخماد حريق صغير اشتعل بجانب البناية، رائحة البنزين لم تختفِ. ثم لَمْسة يدي الصغيرة على كتفها، ثم نظرة تفصل بين العالمين: قبضة الجنون أمام الخسارة.
المعرفة القاسية: شظية — قطعة معدنية — اخترقت الرأس الصغير.
همس لامس، لم أكن أُدرك أنه سيكون مثل هذا. هرعتُ إلى غرفة الطوارئ، وكنت أمسك بيديها لكن اليد الباردة لا تنطق بكلمة. الطبيب يقول أشياء بطريقة هادئة، لكن الهدوء كان وقاحة. همسوا عن عملية، عن فرصة، عن احتمال ضئيل.
الجزء الأول ينتهي هنا، ليس بنهاية قاطعة، بل بجرحٍ يترك خيارات مفتوحة: انتقام أم عدالة؟ استسلام أم صراع؟ سأكون واضحًا معك — هذا ليس فصلًا عنفاويًا للمتعة. إنه بداية لصفعة الواقع.
لمى لم تعد لعبةً أطفو بها عن الخطر. لمى أصبحت سببًا كي أختار مرة أخرى: هل سأبقى ضابطًا، أم سأصبح مجرد رجل خرجت روحه في شارعٍ مظلم يطالب بسؤال واحد: من أخذ الطفولة مني؟