قصة طقطوق والمترجم

في مدرسة يشوبها الصخب والمشاغبات، حيث تتصادم الأصوات والزمجرات والضحكات مع صرامة النظام، يولد البطل بطابع استثنائي: فتى صغير مفتول العضلات، لكنه يحمل قلباً مليئاً بالأسرار. هنا تبدأ رحلة طقطوق، الذي سيتعلم أن القوة وحدها لا تكفي، وأن الحياة أحياناً تقوده نحو دروس لم يكن يتوقعها. قصة عن المشاغبات، القوة، والمفاجآت التي تجعل كل يوم في المدرسة مغامرة لا تُنسى.
بقلم كمال الأمين
القصة
زمجرات غريبة وأصوات وضحكات وعبث كالعادة في الصف المجاور لغرفة النظارة، حيث المشكلات اليومية مع الأستاذ المتقدم في العمر نسبياً. طلاب كأن الرحمة نزعت من قلوبهم، كأن آباءهم ليسوا كهولاً، فلا احترام ولا تعظيم لسنهم ولا تقدير لقيمة المعلم.
تدخل الناظر على الفور واقتحم الصف مباشرة، متوجهاً كالعادة إلى مجموعة مشاغبة على رأسها فتى يعرف بـ “طقطوق”. انتزع هذا اللقب بجدارة، حيث تعود الطقطقة على طاولة الدرس أثناء كتابة المعلم على اللوح. ولم يكتفِ بهذا، بل تفنن بطرق رهيبة في الإزعاج، فلم تتسع الألقاب لوصف قدراته العجيبة في المشاغبة. هُدد بالطرد من المدرسة مرات، إلا أنه دائماً ما كان سر مخفي يمنع طرده، غير معلوم. لماذا هذا السر جعل الإدارة تصبر عليه كل هذا الصبر وتعطيه الفرصة تلو الأخرى؟
بعد أخذ ورد في الصف، وكالعادة، عاقبت الإدارة طقطوق ورفاقه بأشد العقاب، وأُعطي طقطوق آخر فرصة قبل الطرد النهائي.
المعلم فضل إكمال مسيرته مع مدرسة أخرى، حيث إن عمره ووضعه الصحي لا يساعده على تحمل طلاب مشاكسين. استقر رأي الإدارة على إحضار معلم آخر يفي بالغرض.
طقطوق، هذا الذي لا يمل من ضرب الطلاب وافتعال المشكلات كأنه متخصص دراسات عليا في فن المشاغبات، على صغر سنه كان مفتول العضلات، وقوته الجسدية تفوق أقرانه بكثير. كان له من القوة ما جعله زعيماً على ذكور صفه المشاغبين، وكان مهاباً من معظم الطلاب في ملعب المدرسة.
في اليوم التالي لفرار المعلم المريض، وبفضل جهود طقطوق ورفاقه، وكعادته، تزعم صفوف اجتماعاً لرفاقه المشاغبين في إحدى زوايا الملعب أثناء فترة الاستراحة، حيث إن وقته الغير ثمين لا يكفي لكل مشاريعه المنزعجة، فلن يضيعه بأمر مهم آخر. بادرهم بالقول:
-
لا بد من تجهيز الخطة المقبلة للسيطرة على المعلم الجديد.
عرض طقطوق خطته:
-
هي يا رفاقي، لنبدأ التفكير كيف نتعامل مع المدرس الجديد، لا بد من السيطرة عليه في أول حصصه معنا حتى يهابنا ونتسلى في الصف معه كيفما نشاء.
أجابه زميله:
-
أحسنت يا زعيم، فأنا أرى أن…
قاطعه طقطوق مباشرة:
-
نعم يا صديقي، فأنا قد شاورت نفسي ووضعت خطة جهنمية لن تخطر على بال أي ناظر، فلن يكتشفنا أحد، وعند تنفيذها لن ينسى أحد اسم طقطوق في هذه المدرسة.
أضاف:
-
أنتم تعلمون أني لا أخاف الطرد، فالمدير كالعادة سيعطيني فرصة أخرى، وإن لم يعطني، سأذهب إلى مدرسة أخرى منتصراً كالفاتح مع تاريخ حافل بالمشاغبات.
صفق الجميع له وقالوا له:
-
أحسنت يا زعيم، إن الخطة مهمة جداً وسننفذها بدقة. هي فلننصرف للعب وضرب بعض طلاب الصفوف الأخرى.
ظهرت علامات الفرح على طقطوق وانفرجت أساريره حينما سمع كلمة “الضرب”، إلا أنه قبل أن يباشر عاداته المزعجة، استدرك قائلاً:
-
يا رفاقي، لم أعرض الخطة التي أعجبتكم!
ضحك الجميع، وقال أحدهم:
-
حتماً يا طقطوق، أنت كتبت الخطة ووزعت المهام، فلتوزعها علينا ونقرأها في المنزل، لا تخف، سننفذها بحذافيرها، فنحن لا نحتمل عقابك إذا تقاعسنا.
في اليوم التالي دخل الناظر مع المدرس الجديد، وهو شاب يافع نحيف القوام، لا عضلات له، لا يظهر عليه أنه عنيف، بل شكله يوحي بأنه هادئ الطبع جداً.
دخل المدرس إلى الصف ولم يتكلم، بل لم يلقِ الصباح على أحد، فقط أشار بيده إشارة السلام. شعر الجميع بأنه متكبر، كأنه لا يراهم.
أشار المدرس للطلاب بالجلوس وبدأ بالكتابة على اللوح مباشرة. طبعا، عصابة طقطوق كانت على أتم استعداد بانتظار أيعازه ببدء تنفيذ الخطة.
ما هي إلا لحظات حتى تفاجأ الجميع بالعبارات التي تخطها يد المعلم، حيث كتب:
“أنا معلمكم الجديد أرحب بكم فرداً فرداً، أعذروني فقد تعرضت لحادث فقدت خلاله قدرتي على الكلام، إلا أنني أستطيع أن أسمعكم وأعلمكم بالكتابة والإشارات، وأستعمل الكثير من وسائل الإيضاح التي تغني عن الكلام، بل أستطيع أن أعلمكم لغة البكم، فتساعدونني، ولا تنسوا أنني أستطيع سماع كل ما تقولونه جيداً.”
عم الصمت الصف، فلم يعتد الطلاب هذا الصمت المطبق، حتى إن طقطوق بدا ساكناً كأن على رأسه الطير، ولم يعط إشارة البدء بتنفيذ الخطة بعد. بينما عصابته تنقل نظرها بين اللوح وبينه، فجأة مزق الصمت صوت طقطوق باكياً، مطأطئ الرأس على الطاولة.
اقترب المعلم منه، ماسحاً رأسه، محاولاً تهدئته بلطف الأب الرؤوف، إلا أنه استمر بالبكاء. بينما الجميع مندهش، لم ير أحد العضلات المفتولة تطأطئ الرأس هكذا، حتى إن أعضاء عصابته نظروا إليه نظرة استصغار كأنهم يشمتون به.
أصر المعلم الرؤوف على مسح دموع طقطوق وتهدئته، وخاطبه مشيراً له بأن يهدأ. طقطوق، الذي غلب بكاءه قدرته على الكلام، فاجأ الجميع بتواصله مع المعلم بلغة الإشارة التي يستعملها البكم. لاحظ الجميع ابتسامة المعلم، الذي بدأ حواراً خفياً مع طقطوق، إلى أن هدأ واستقر الأمر، فانتهى بكاءه، ثم رفع رأسه مخاطباً زملاء الصف:
-
أبي أصم وأبكم منذ أن كنت في المهد، وأمي كانت تخاطبه بلغة الإشارات، وأنا أتقنها جيداً بسبب أبي. كان رفاقي في الحي يسخرون مني ويعيرونني بأن والدي أبكم، ويقلدون لغة الإشارات المعتمدة معه في البيت بطريقة ساخرة، حتى كانوا يسمون منزلنا بـ “بيت المهرجين” لأننا نستعمل لغة البكم باعتبار أن المهرج يضحك الناس بالحركات والإشارات. لقد بنيت عضلاتي على أجساد جيران الحي وزملاء الدراسة، فكم لكمت وضربت أقراني، وكنت غالباً ما أتنقل بين المدارس طرداً، إلى أن استقريت هنا. المدير يعطيني الفرصة تلو الفرصة، رأفة بأبي، لأنه يعرفه، وأبي دائماً يرسل له التمنيات له، ولكني استغليت تعاطف المدير مع أبي إلى أقصى ما يمكن.
تدخل المعلم بلغة الإشارات مع طقطوق، فتحول طقطوق إلى مترجم لما يقوله المعلم:
-
أعزائي الطلاب، لا تنسوا أن المدرس في الصف، والذي تنادونه بالأستاذ، له أيضاً أوصاف أخرى خارج الصف، قد يكون له صفة أب لأبناء بسنكم، أو أكبر، فقد يكون ابن لأبوين عجوزين يرعاهم. هو مثل أهاليكم، عليه ضغوطات كبيرة في الحياة، وأنتم لن تشعروا بحال المدرس تمام الشعور. الآن زميلكم شعر بوضعي تمام الشعور لأنه يعرف معنى حياة أمثالي والمعاناة أحياناً من السخرية. انتبهوا أن الله يراكم، وربما تكبرون وتمارسون مهنة التدريس أو أي مهنة قد تقعون فيها فريسة للمشاغبين، وقتها ماذا ستقولون لله؟ هل ستقلون له: “ساعدنا يا الله”؟ أو ستشعرون أن الله عاقبكم وأعطاكم ما تمنون لغيركم؟
سادت حالة صمت بين الطلاب كأن المدرس أيقظ فيهم شعوراً تناسوه بسبب تراكم السلوك السيء.
كسر طقطوق الصمت:
-
لن أسمح لأحد أن يزعج المعلم، فإني أفهم شعوره بسبب ما عانيناه في المنزل، ولن أقبل على المعلم ما لا أقبله على والدي.
مرت الأيام والأسابيع، حيث تغيرت الأمور، ونسيت المدرسة لقب طقطوق، واكتسب لقب “مترجم المعلم”.
احتفلت المدرسة في نهاية العام، وأقيم احتفال في الملعب. قام المعلم الأبكم بإلقاء كلمة له بلغة الإشارات، والتي ترجمها طقطوق للجميع، وختمها المعلم قائلاً:
“هي الحياة، أهدافنا تجعلها جميلة أو تجعلها قبيحة. أنت وهدفك أيها الطالب، اختر هدفك واحصد الحياة التي تريد.”
النهاية
ومع مرور الأيام، تحولت المدرسة من ساحة للفوضى إلى مكان يحترم فيه كل طالب المعلم ويقدر جهوده. تعلم طقطوق أن القوة ليست في العضلات وحدها، بل في القدرة على الفهم والتعاطف، وأن لكل شخص قصة يجب أن تُحترم. أصبح لقب “مترجم المعلم” عنواناً لشجاعة جديدة، وعبرة بأن التغيير يبدأ من الداخل، وأن الصمت أحياناً أقوى من أي صخب. القصة تذكرنا أن الحياة تعلمنا دروسها بطريقة لا نتوقعها، وأن لكل واحد منا فرصة ليصبح أفضل.






