
هذه القصة ليست مجرد سرد لأحداث عابرة، بل هي رحلة روح تبحث عن نور يهديها بعد أن أثقلتها الذنوب. قصة تحمل بين طياتها معنى العودة، ومعنى أن يفتح الله لعبده بابا لم يخطر في باله، فينهض من عثراته ويستقيم طريقه من جديد.
وقد شاركنا هذه القصة أحد متابعاتنا الكرام، ألاء، لتصل إلى كل من يحتاج إلى تذكير صادق، وكل من يبحث عن خطوة أولى تعيده إلى ذاته وإلى ربه.
ونحن نؤمن أن القصص الصادقة قد تغيّر قلبا، أو توقظ روحا، أو تعيد إنسانا إلى الطريق الذي يستحقه.
وإن كان لديك قصة تحمل تجربة ورسالة، فلا تتردد في إرسالها لنا. فالكلمة الصادقة قد تنقذ أحدهم دون أن ندري.
بقلم ألاء
القصة
كانت سَبا فتاة في السادسة عشرة من عمرها، معروفة بخفة روحها وضحكتها التي تسبق كلامها. تحب الحياة بطريقتها السريعة المضطربة، وتبحث عن شيء لا تعرف اسمه. ورغم ما تبدو عليه من الحيوية، كان قلبها يحمل فراغا ثقيلا، وسؤالا يطاردها كل ليلة قبل النوم: لماذا لا أشعر بالراحة؟
كانت تعيش في مدينة صغيرة ذات بيوت متقاربة وشوارع تحفظ خطوات أهلها، ومقاه تتكرر فيها الأصوات ذاتها كل يوم. وفي تلك المدينة يعرف الجميع بعضهم بعضا، ويعرفون أن سَبا تغيّرت في السنة الأخيرة. فقد بدأت تغفل عن صلاتها، وانشغلت بمظاهر لا تشبه تربيتها، وصارت تبحث عن إعجاب الآخرين أكثر من رضا نفسها.
وفي أحد الأيام، خرجت من الثانوية فالتقت بصديقة قديمة اسمها مريم، وهي فتاة هادئة ينعكس الصفاء في ملامحها. قالت مريم بابتسامة رقيقة:
“سبا، لقد تغيّرت كثيرا”.
ضحكت سَبا محاولة إخفاء ارتباكها، ولكن مريم شعرت أن خلف تلك الضحكة روحا تائهة.
في تلك الليلة، دخلت سَبا غرفتها، أغلقت الباب، وبقيت تحدق طويلا في المرآة. كانت ترى ملامحها، لكنها لا ترى نفسها. كانت تبحث عن نور لا تعرف من أين يبدأ.
وبينما قلبها يتخبط، حدث أمر غيّر مسار حياتها. فقد ظهر على هاتفها مقطع قصير لفتاة تتحدث عن طمأنينة العودة إلى الله. كان الكلام بسيطا، لكنه لامس شيئا عميقا في داخلها. شعرت لأول مرة منذ مدة طويلة برغبة في البكاء، وبرغبة في الاعتراف والعودة.
بدأت سَبا تشعر بثقل أخطائها أكثر من قبل. كل لحظة تلت ذلك المقطع كانت تذكّرها بما أهملته من صلاتها، وبضعفها أمام رغباتها، وبالأشخاص الذين اتبعتهم فأبعدوها عن حقيقتها.
لكن الطريق إلى التوبة لم يكن سهلا. ففي المدرسة سمعت تعليقات مثل:
“سبا، هل ستصبحين ملاكا الآن؟”
“كنت جميلة كما أنت، لا تتغيري”.
وداخل قلبها نشبت حرب بين صوت يدعوها إلى العودة، وصوت يخيفها من مواجهة الناس.
وفي إحدى الليالي، بينما كان البيت هادئا وأمها نائمة، جلست سَبا على السجادة من غير تخطيط. رفعت يديها لأول مرة منذ شهور وبكت بكاء طويلا. لم تكن تعرف ماذا تقول، لكنها همست بدعاء بسيط:
“يا رب، لقد تعبت. دلني على الطريق الذي يرضيك”.
في الأيام التالية بدأت تتعلم الصلاة من جديد، وحذفت من حياتها ما كانت تعلم أنه يعيقها، وابتعدت عن صداقات لم تحمل لها خيرا، واقتربت من مريم لأنها شعرت أنها كانت من دلائل رحمة الله بها. ومع كل خطوة كانت تشعر أن نورا يعود إلى قلبها ببطء وثبات.
ومع ذلك، واجهت اختبارات كثيرة. ذكريات الماضي، ورغبات قديمة، ورسائل من أشخاص أرادت نسيانهم. لكنها بقيت تقاوم. لم تكن معصومة، بل كانت فتاة تجاهد نفسها كل يوم، وهذا ما جعل رحلتها أعمق وأجمل.
وفي يوم جمعة، دخلت مع والدتها إلى المسجد. كان صوت الخطيب هادئا، لكنه قال جملة جعلت سَبا ترتجف:
رب العالمين لا يريد من العبد أن يكون كاملا، بل يريد منه أن يعود.
في المدرسة لاحظ الجميع تغيرها. لم يكن تغيّرا في الشكل فقط، بل في الروح. الهدوء، الوقار، والاتزان انعكست عليها بوضوح. حتى الذين سخروا منها صاروا يسألونها:
“سبا، كيف أصبحت هكذا؟”
فتجيب بابتسامة صادقة:
“رجعت إلى نفسي، وبدأت أعود إلى ربي”.
أصبحت تساعد صديقاتها وتشجعهن على الثبات، وتخبرهن أن لكل شخص فرصة يبدأ بها من جديد مهما كان ماضيه. وأجمل ما اكتسبته كان شعورها بأن الله قريب جدا.
مرت سنوات ولم تنس سَبا تلك الليلة التي جلست فيها على السجادة تبكي. كانت تلك اللحظة أول شعاع نور يخترق قلبها.
النهاية
وفي الختام أقول إن القصة قصيرة لكنها تحمل عبرة واضحة، وهي رسالة لكل فتاة. إرضاء الناس غاية لا تُدرك، فكوني على حقيقتك، لا نسخة يبحث عنها الآخرون.






