قصة ذاكرة العيد ج4 والأخير

الحقيقة لا تنتظرك بأذرع مفتوحة.
تختبئ. تتوارى خلف الأكاذيب الصغيرة والوجوه المطمئنة والأجوبة التي تبدو منطقية حتى تفكر فيها مليّاً. وحين تجدها في النهاية، لا تأتي كاملة دفعة واحدة — تأتي قطعة قطعة، كأنها تختبر قدرتك على الاحتمال قبل أن تعطيك المزيد.
وأصعب ما في البحث عن حقيقة شخص تحبه ليس أن تجدها.
أصعب ما فيه أن تقرر ماذا تفعل بها حين تجدها.
القصة
لم أنم تلك الليلة.
لم يكن الأمر قراراً واعياً — لم أجلس وأقل لنفسي إنني لن أنام. فقط استلقيت على سريري وظل سقف الغرفة أمام عيني ثابتاً لا يتغير، والساعات تمر بذلك الثقل الخاص الذي لا يحمله إلا الليل الذي ينتظر فيه الإنسان شيئاً لا يعرف ما هو.
في الثالثة فجراً سمعت صوت أمي في المطبخ. لم أقم. أحياناً يحتاج الإنسان إلى وحدته حتى في ألمه، وأنا أعرف أمي — تلك ساعتها، ساعة الصمت التي تحلّ فيها ما لا تستطيع حله في النهار.
في الخامسة، حين بدأ الفجر يرسم خطاً رمادياً رقيقاً خلف الستائر، أخذت الصورة من على الطاولة ونظرت إليها مرة أخرى.
الرجل في المقهى. وجه لا أعرفه. وكلمتان لا تكفان.
“يعرفني.”
في الصباح الباكر جلست مع أمي على طاولة المطبخ. كانت أمامها فنجان قهوة لم تشرب منه، وفي عينيها ذلك التعب الذي لا يشبه تعب السهر بل يشبه تعب من حمل شيئاً ثقيلاً لوقت طويل جداً.
قلت: كيف حالك؟
قالت: قل لي ما وجدته كاملاً.
أخبرتها بكل شيء. الأوراق، الأرقام، الهاتف القديم، الرسائل التي لم أقرأها بالكامل لكنني قرأت منها ما يكفي. وأخيراً الرسالة. وأخيراً الصورة.
حين انتهيت، ظلت صامتة طويلاً. ثم قالت بنبرة من يعلن قراراً لا من يطرح سؤالاً:
— هذا الرجل في الصورة، من أين أتى بها أبوك؟
قلت: لا أعلم.
قالت: اعلم.
بدأت بالهاتف القديم.
جلست في غرفتي وفتحت الرسائل من أولها. كانت تمتد لأكثر من سنة — سنة كاملة من المراسلات مع أرقام مجهولة، وكلها تدور حول شيء واحد. مبالغ. مواعيد. تمديدات. وعود. وفي الأخير تهديدات ناعمة بذلك النوع من الكلام الذي لا يذكر ما يعنيه بصراحة لكنه لا يترك مجالاً للتأويل.
كان أبي منذ أكثر من سنة يحمل كل هذا وحده.
كل صباح استيقظ فيه. كل عشاء جلسنا فيه معاً. كل مرة ضحك فيها بذلك الصوت الذي يجعل وجهه يبدو أصغر من عمره بعشر سنوات. كان يحمل كل هذا في جيبه، في هذا الهاتف الصغير المخبأ في صندوق معدني خلف صورة عائلية، ولم يقل كلمة.
لم أعرف إذا أحزن على ذلك أم أغضب منه.
في النهاية لم أشعر بشيء واضح محدد — شعرت بكل شيء في آن واحد، وهذا أشد وطأة من أي شعور واحد مهما بلغت حدته.
في رسالة بتاريخ قديم، قبل ثمانية أشهر تقريباً، ذُكر اسم.
ليس اسماً كاملاً — حرفان ورقم، كما يتكلم الناس الذين يتعمدون ألا يتكلموا بوضوح. لكنه كان كافياً. وفي رسالة أحدث، قبل أسبوعين، ذُكر مكان — اسم مقهى في الطرف الشرقي من المدينة.
نظرت إلى الصورة مرة أخرى.
رجل في مقهى.
أخذت الصورة وخرجت.
لم أخبر أمي إلى أين أذهب بالتفصيل. قلت فقط إنني أبحث عن طرف الخيط، وهي نظرت إليّ بتلك النظرة التي تعني أنها تعرف أكثر مما تقول، وأنها تسمح لي بالذهاب لأنها لا تملك خياراً آخر.
قالت قبل أن أغلق الباب: يوسف.
التفت.
قالت: لا تفعل شيئاً يجعلني أخسر اثنين.
المقهى كان في شارع ضيق يبعد نصف ساعة سيراً من البناية.
واحد من تلك المقاهي القديمة التي لا تتغير — طاولات خشبية، كراسي بلاستيكية، شاشة تلفزيون في الركن تعرض قناة أخبار بصوت منخفض. كان فيه عدد قليل من الزبائن في ذلك الوقت من الصباح، معظمهم رجال في منتصف العمر يشربون القهوة في صمت بذلك الصمت الخاص بمن لا يريد أن يكون في بيته.
جلست في الطرف ووضعت الصورة أمامي على الطاولة وطلبت قهوة.
جاء النادل. نظرت إليه وأريته الصورة وسألت إن كان يعرف هذا الرجل.
نظر إلى الصورة ثم إليّ.
قال: لماذا تسأل؟
قلت: أبي يعرفه وأبي اختفى.
صمت لحظة. ثم أشار بنظره نحو ركن في أقصى المقهى وقال بصوت منخفض:
— يجلس هناك كل يوم. لكنه لم يحضر اليوم بعد.
انتظرت ساعة وربعاً.
شربت قهوتي وأنا أنظر إلى الباب. كل مرة يدخل فيها أحد أنظر إلى وجهه وأقارنه بالصورة وأصرف نظري. الوقت في الانتظار له وزن مختلف، يمشي بخطى أبطأ ويترك وراءه أفكاراً أكثر مما ينبغي.
فكرت في أبي في الصباح الأول. في الكرسي الجلدي. في الهاتف المقلوب. في كم مرة نظر إلى الشارع من النافذة السابعة وكان يفكر في كل هذا دون أن يُظهر شيئاً.
حين دخل الرجل عرفته فوراً.
أكبر قليلاً مما يبدو في الصورة. يمشي بخطوات بطيئة حذرة كمن اعتاد أن يدخل الأماكن وهو يقرأها أولاً. وقف لحظة عند المدخل، نظر حول المقهى، ثم توجه نحو ركنه المعتاد.
قبل أن يصل قمت وقلت بصوت هادئ:
— أنا ابن سامر. أريد أن أتكلم معك.
توقف.
التفت إليّ. وفي عينيه في تلك اللحظة قرأت شيئاً لم أتوقعه — ليس الخوف، ولا الإنكار. بل شيء يشبه التعب. تعب من يعرف أن هذه اللحظة كانت قادمة ويريد فقط أن تنتهي.
جلس أمامي.
تكلم لأكثر من ساعة.
لن أحكي كل ما قاله — بعض الأشياء ليست لي وحدي، وبعضها لا يزال يؤلم بما يكفي لئلا يُقال بصوت عالٍ. لكن الخطوط الكبيرة كانت واضحة حين انتهى.
أبي قبل ثلاث سنوات وقّع ضماناً لصديق قديم على قرض كبير. الصديق أفلس. والقانون لا يسأل عن النيات. وما بدأ كورطة صغيرة ظن أبي أنه يستطيع حلها بهدوء تحوّل ببطء إلى جدار يقترب، حجر حجر، حتى صار الأسبوع الأخير هو اللحظة التي وصل فيها الجدار.
قلت: وأنت ما دورك في كل هذا؟
قال بعد صمت: أنا الشخص الذي حاول أن يساعده في الحل وفشل. وأنا الشخص الذي يعرف أين هو الآن.
جمدت.
قلت بصوت لم أسمع فيه صوتي بهذا الشكل من قبل:
— أين هو؟
نظر إلى الطاولة. ثم نظر إليّ.
قال: غادر المدينة. في الليلة الماضية. أخبرني قبل أن يذهب.
قلت: إلى أين؟
قال: لم يقل. وأظن أنه لم يقل لأنه لا يريد أن يُتبع.
خرجت من المقهى وأنا لا أعرف كيف أمشي.
الشارع كان عادياً — بائع عربة، سيارات، صوت أذان بعيد لصلاة الظهر. كل شيء يسير كما ينبغي له أن يسير، والعالم لا يعلم ولا يبالي.
وقفت على الرصيف وأخرجت هاتفي.
اتصلت بأمي.
أجابت في الرنة الأولى — كما يفعل من كان ينتظر.
قلت: وجدت الجواب.
صمتت لحظة. ثم قالت:
— تعال إلى البيت.
جلسنا في الصالة، أنا وأمي، وسلمى تلعب في غرفتها بعيداً تماماً عن كل هذا الثقل. وأخبرت أمي بكل ما قاله الرجل.
حين انتهيت كانت تنظر إلى الكرسي الجلدي البني بجوار النافذة.
الكرسي الفارغ.
قالت بصوت هادئ جداً، هادئ بذلك النوع الذي يكون فيه الهدوء أشد من الصراخ:
— كان يمكنه أن يخبرني. كنا سنحل هذا معاً.
لم أقل شيئاً.
لأنه لم يكن هناك شيء يُقال.
في تلك الليلة، بعد أن نامت سلمى ونامت أمي أو حاولت، جلست في الشرفة مرة أخرى.
أخرجت رسالة أبي وقرأتها من جديد. ثم طويتها ووضعتها في جيبي.
كنت غاضباً. كنت خائفاً. كنت أحبه بذلك النوع من الحب الذي يؤلم حين تدرك حجمه فجأة. وكنت أفهمه — وهذا ربما كان أصعب شيء، أن تفهم شخصاً وأنت غاضب منه في آن واحد، أن تعرف لماذا فعل ما فعل دون أن يعني ذلك أنك تقبله.
نظرت إلى المدينة الموسعة أمامي، بأضوائها التي لا تنام.
في مكان ما في هذه المدينة أو خارجها، أبي يجلس وحده. أو يمشي. أو ينظر إلى سماء لا تختلف عن سمائي.
وسألت نفسي السؤال الذي ظل يدور في رأسي منذ وجدت الرسالة — هل أبحث عنه حتى أجده؟ أم أترك له الوقت الذي يحتاجه ليقرر بنفسه هل يعود؟
لم أجب تلك الليلة.
لكن حين دخلت لأنام، توقفت عند غرفة سلمى ونظرت إليها من الباب. كانت نائمة بثوبها الوردي كما نامت على الأريكة قبل يوم واحد فقط — يد واحدة تحت وجهها، والأخرى مفتوحة على الفراش حيث كانت قطعة الشوكولاتة وأكلتها أخيراً.
تذكرت ما كتبه أبي.
اعتنِ بسلمى. لا تدعها تكبر خائفة.
أغلقت الباب برفق.
وقررت.
في الصباح التالي استيقظت مبكراً.
ارتديت ملابسي. شربت قهوة واقفاً في المطبخ. وأخذت الصورة والهاتف القديم وخرجت.
هذه المرة لم أقل لأمي إلى أين أذهب.
لأنني لم أعد أبحث عن جواب.
كنت أبحث عن أبي.
النهاية
ما إذا كان يوسف وجده — هذا سؤال تتركه القصة لك أنت.
لأن بعض النهايات لا تكتمل في الصفحات.
تكتمل في الوقت.