قصة ذاكرة العيد
قصة ذاكرة العيد
🌙   عيد مبارك   🌙
كل عام وأنتم بخير
بمناسبة عيد الفطر المبارك
نهديكم في هذا العيد قصة جديدة
قصة ذاكرة العيد — متاحة الآن للقراءة
لاحقاً
قصة العيد

قصة ذاكرة العيد ج3

الأسرار لا تموت مع أصحابها.

تبقى. تختبئ في الأدراج، وبين طيات الأوراق، وفي الأرقام التي لا تعني شيئاً لأحد حتى يأتي من يعرف كيف يقرأها. تبقى صامتة صبورة، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج — لا بإرادتها، بل لأن أحداً ما اضطر إلى البحث.

وحين تبدأ في البحث عن سر شخص تحبه، عليك أن تكون مستعداً لاحتمالين لا ثالث لهما — إما أن تجد ما يريح قلبك، وإما أن تجد ما يحطمه.

لا توجد منطقة وسطى. لا توجد نصف حقيقة.

الحقيقة دائماً كاملة. وهذا هو ما يجعلها قاسية إلى هذا الحد.

 

 

 

 

القصة

 

 

 

 

عدت إلى الشقة بجسد يمشي وعقل واقف.

كان الضيوف قد بدأوا يشعرون بثقل الموقف رغم أن لا أحد تكلم بصراحة. العم خالد يتصل مرة بعد مرة وينظر في كل مرة إلى هاتفه بوجه يحاول إخفاء ما يشعر به. عمتي أم سامي تتكلم بصوت أعلى من المعتاد، بذلك النوع من الكلام الذي يملأ الصمت خوفاً من أن يكبر. والأطفال — الأطفال وحدهم لا يزالون يلعبون، لأن الأطفال لا يقرؤون الهواء بعد.

أما أمي، فكانت جالسة على حافة الأريكة، ظهرها مستقيم، يدها على هاتفها، نظرها في نقطة ثابتة لا أعرف أين تقع. لم تبكِ. أمي لا تبكي أمام الناس — هذه قاعدة فيها لم تنكسر في كل العمر الذي رأيتها فيه.

حين دخلت، نظرت إليّ.

قلت بصوت منخفض: السيارة مركونة. لم يذهب إلى محل العصير.

لم تتفاجأ. هذا ما أخافني.

 

بعد ساعة، وحين خرج الضيوف بهدوء وببراعة ذلك النوع من الرحيل الذي يتظاهر بأنه طبيعي، بقينا نحن الثلاثة — أنا وأمي وسلمى التي نامت على الأريكة بثوبها الوردي، قبضتها الصغيرة مطبقة على قطعة شوكولاتة لم تأكلها.

جلست أمي أمامي.

قالت بالصوت ذاته الذي تستخدمه حين تريد أن تكون قوية وهي ليست كذلك: ادخل غرفته. ابحث.

قلت: عن ماذا؟

صمتت لحظة. ثم قالت: ستعرف حين تجده.

 

دخلت غرفة أبوَيّ للمرة الأولى بنية البحث لا الزيارة، وهذا فارق يجعل المكان يبدو مختلفاً تماماً. الأشياء ذاتها، الأثاث ذاته، الرائحة ذاتها — لكن نظرتك تتغير حين تبحث. حين تبحث، كل شيء يصبح دليلاً محتملاً.

بدأت بالدرج الجانبي لسريره.

ساعة قديمة لا تعمل. بطاقات شخصية من سنوات ماضية. قلم حبر جاف.

لا شيء.

فتحت خزانة ملابسه. ملابس مرتبة بالطريقة التي يرتبها دائماً — قمصان على اليسار، بناطيل على اليمين، وفي الرف العلوي صندوق معدني صغير لطالما كان موجوداً هناك طوال عمري. كنت أعلم بوجوده دائماً ولم أفكر فيه قط، بذلك الإهمال الطبيعي الذي نمارسه تجاه الأشياء التي نظنها مألوفة.

مددت يدي وأنزلته.

كان مقفلاً.

 

وجدت المفتاح خلف إطار صورة عائلية قديمة كانت معلقة على الجدار — صورة التقطناها قبل ثلاث عشرة سنة في إجازة لا أذكر منها إلا الضوء والبحر وأبي يضحك بصوت عالٍ. لا أعرف لماذا فكرت في النظر خلفها. ربما كان حدساً، أو ربما كان شيئاً رآه عقلي دون أن يُخبرني.

فتحت الصندوق.

كان فيه ثلاثة أشياء.

حزمة أوراق مطوية. هاتف قديم صغير ليس هاتفه الذي أعرفه. ومغلف أبيض مكتوب عليه بخط يده اسمي — يوسف — ولا شيء غيره.

 

فتحت الأوراق أولاً.

احتجت دقيقتين كاملتين حتى فهمت ما أقرأه، وعشر دقائق أخرى حتى قبلت أنني أفهمه بشكل صحيح.

كانت عقوداً. اتفاقيات. أرقاماً بأصفار لم أكن أعلم أن اسم أبي يمكن أن يظهر بجوارها. ديون لأشخاص لا أعرف أسماءهم، مواعيد سدادها تجاوزت بأشهر، وفي آخر ورقة — إشعار قانوني يحمل تاريخاً قبل أسبوعين فقط. كان فيه كلام كثير، لكن المعنى كان واحداً واضحاً — إما الدفع أو ما هو أسوأ من الدفع.

وضعت الأوراق جانباً وأخذت الهاتف القديم.

أدرت زر التشغيل. كان مشحوناً — مشحوناً كاملاً كأن أحداً شحنه مؤخراً بنية الاستخدام. استغرق وقتاً حتى يضيء شاشته الصغيرة.

كانت فيه رسائل. عشرات الرسائل من أرقام لا أسماء لها — أرقام فقط. آخرها وصلت قبل ثلاثة أيام، وكانت قصيرة بما يكفي لأن تقرأها مرة وتفهم كل ما لا تريد أن تفهمه.

أغلقت الهاتف.

 

بقي المغلف.

جلست على حافة السرير وأنا أمسكه. كان ثقيلاً بطريقة غريبة لا تعني وزنه الفعلي — ثقيلاً بما بداخله، بما أعرف أنني حين أفتحه لن أستطيع العودة إلى ما قبله. هناك لحظات في الحياة تعرفها بشكل مسبق — تعرف أنها ستقسّم وقتك إلى قبل وبعد، وتقف عند عتبتها لثوانٍ تحاول أن تمدّها لأطول وقت ممكن.

فتحته.

كانت ورقتين. الأولى بخط عادي سريع، كخط من يكتب وهو واقف أو يكتب في عجلة. والثانية كانت صورة فوتوغرافية مطبوعة على ورق عادي.

قرأت الورقة.

 

يوسف،

لن أطلب منك أن تفهم الآن. ربما لن تفهم قريباً. لكنني أعرف أنك ستفهم في النهاية، لأنك دائماً فهمت الأشياء في النهاية، حتى حين تأخذ وقتك.

كل ما فعلته فعلته لأسباب ظننتها صحيحة في وقتها. هذا ما يقوله كل إنسان، أعرف، لكنه الشيء الوحيد الصادق الذي أستطيع قوله.

لا تخبر أمك بكل شيء دفعة واحدة. هي أقوى منك ومني، لكنها تحتاج وقتاً. أعطها إياه.

اعتنِ بسلمى. لا تدعها تكبر خائفة.

أنا آسف على العيد. كان يمكنني أن أختار يوماً آخر، لكنني أردت أن أرى الجميع مرة أخيرة. أردت أن أرى وجهك في الصباح.

أبوك.

 

 

نظرت إلى الصورة.

كانت لرجل لا أعرفه. في الخمسين من عمره تقريباً، يجلس في مقهى، نظره بعيد عن الكاميرا. على ظهر الصورة كلمتان بخط أبي:

“يعرفني.”

 

خرجت من الغرفة ببطء.

كانت أمي لا تزال جالسة في مكانها، ظهرها المستقيم، يدها على هاتفها. رفعت رأسها حين رأتني.

قرأت وجهي قبل أن أتكلم — كما كانت تفعل دائماً، بتلك القدرة التي تملكها الأمهات ولا يملكها أحد غيرهن. وللمرة الأولى في اليوم كله، رأيت شيئاً يتصدع في عينيها.

لم تبكِ.

فقط أغمضت عينيها ثانية واحدة. ثم فتحتهما ونظرت إليّ وقالت بصوت ثابت:

— كم؟

قلت الرقم.

لم تتحرك. لم تقل شيئاً. فقط نظرت نحو سلمى النائمة بثوبها الوردي وقطعة الشوكولاتة في قبضتها.

ثم نظرت إليّ مرة أخرى وقالت بالصوت ذاته:

— سنحل هذا.

 

خرجت إلى الشرفة وحدي.

كانت المدينة في المساء الآن، أضواؤها تشتعل واحداً بعد واحد في البنايات المحيطة. في بعيد سمعت صوت ألعاب نارية — عيد في مكان ما، فرح في مكان ما، أناس لا يعرفون شيئاً عمّا حدث في الطابق السابع من هذه البناية.

رأيت أبي في الصباح. في كرسيه الجلدي. فنجانه بين يديه. نظره إلى الشارع.

رأيت الهاتف المقلوب على الطاولة.

رأيت اللحظة عند الباب حين ربّت على كتفي ولم يقل شيئاً.

وفهمت أخيراً أن تلك اللحظة لم تكن ربتة عابرة — كانت وداعاً من رجل يعرف أنه لن يجد شجاعة أخرى للوداع.

 

لم يتصل بنا أحد تلك الليلة.

ولم نعثر عليه.

لكن الصورة ظلت في يدي — الرجل الذي يجلس في المقهى، نظره بعيد، وكلمتان على ظهرها بخط أبي.

وفي تلك اللحظة قررت أن الغد لن يكون يوم انتظار.

الغد سيكون يوم بحث.

 

 

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.