قصة ذاكرة العيد
قصة ذاكرة العيد
🌙   عيد مبارك   🌙
كل عام وأنتم بخير
بمناسبة عيد الفطر المبارك
نهديكم في هذا العيد قصة جديدة
قصة ذاكرة العيد — متاحة الآن للقراءة
لاحقاً
قصة العيد

قصة ذاكرة العيد ج2

هناك فارق دقيق بين الغياب والاختفاء.

الغياب تعرفه — تعرف سببه، وتعرف متى ينتهي، وتعرف أن صاحبه سيعود في وقت ما وتكتمل الصورة. أما الاختفاء، فهو حين تنظر إلى المكان الذي كان فيه شخص ما، وتدرك فجأة أن الفراغ الذي تراه ليس مجرد غياب — بل سؤال لا إجابة له.

وأسوأ ما في الاختفاء أنه لا يأتي بصوت عالٍ. لا يكسر الأبواب ولا يُطفئ الأنوار. يأتي بهدوء مُخيف، وسط الضجيج، وسط الضحكات، وسط رائحة القهوة  حتى لا تلاحظه إلا حين يكون قد ابتلع كل شيء.

هكذا ابتلع أبي.

 

 

 

القصة

 

 

 

 

كان الغداء على وشك الاكتمال.

أمي تنادي من المطبخ، وصوتها يعلو فوق ضجيج الأطفال وضحكات الرجال. كانت قد أعدّت كل شيء بيديها منذ الفجر — الكسكسي بالغنم الذي تطبخه مرة في العام، في العيد فقط، كأنها تحتفظ به هدية سنوية لا تُمنح لأي مناسبة أخرى. كانت رائحته تملأ الشقة بأكملها، وتنساب تحت الأبواب وتصل إلى الردهة الخارجية.

قال العم خالد وهو يمسح يديه بالمنديل مبتسماً: والله يا أم يوسف، رائحة طبخك تصل قبلك بساعة.

ضحكت أمي من المطبخ. كانت سعيدة — ذلك النوع الحقيقي من السعادة الذي يظهر في طريقة المشي، في سرعة الحركة، في صوت الضحكة الذي لا يحسب نفسه.

ولم تكن تعلم بعد.

 

خرج أبي قبل الغداء بنحو عشرين دقيقة.

لم يكن خروجاً مثيراً للانتباه — هذا هو الشيء الذي ظل يؤرقني لاحقاً حين أعدت تفكيك تلك اللحظة مئات المرات. لم يُعلن عن رحيله، ولم يودّع أحداً توديعاً حقيقياً. اقترب من أمي في المطبخ، وقال بنبرة الرجل الذي يملك الوقت ولا يستعجل شيئاً:

سأنزل لجلب العصير.

قالت أمي دون أن تلتفت، يدها في قدر الطبخ:

 حسناً. بسرعة، الأكل على وشك.

قال: عشر دقائق.

ولبس حذاءه عند الباب. وأغلق الباب خلفه بهدوء.

كنت أجلس في الردهة حين مرّ بجانبي. نظرت إليه. نظر إليّ. لم يقل شيئاً، لكنه توقف لحظة — لحظة واحدة قصيرة لا تكاد تُقاس — ثم ربّت على كتفي بيده مرة أخرى، بالطريقة ذاتها التي فعلها في الصباح.

وذهب.

 

مرّت عشر دقائق.

ثم عشرون.

جلسنا على الغداء. أمي نادت مرة، ثم مرتين، ثم نظرت نحو الباب بتلك النظرة التي تفعلها حين تنتظر أحداً ويتأخر — نظرة فيها شيء من الانزعاج الخفيف لا أكثر. قال العم خالد إنه سيتصل به، فأخرج هاتفه وضغط على الاسم.

رنّ الهاتف.

رنّ مرة. مرتين. ثلاثاً. ثم انقطع.

قال العم خالد بلهجة الرجل الذي لا يريد أن يكبّر الأمور: ربما الإشارة ضعيفة. كلوا، يأتي بعد قليل.

أكلنا.

لم يأتِ.

 

بعد الغداء بنحو نصف ساعة، تغيّرت نبرة أمي.

لم تقل شيئاً صريحاً — أمي لا تفعل ذلك، تحمل قلقها بصمت كأنها تخشى أن تُسمعه للكلمات فيصبح حقيقياً. لكنها توقفت عن الكلام مع الضيوف بالطريقة الطبيعية، وصار نظرها يذهب كل دقيقتين نحو الباب، ثم نحو هاتفها، ثم نحو الباب مرة أخرى.

اتصل العم خالد مجدداً.

هذه المرة لم يرنّ. صوت آلي بارد يقول إن الهاتف مغلق أو خارج نطاق التغطية.

نظرت أمي إليّ.

لم تقل شيئاً، لكن في تلك النظرة كان كل شيء — كل الخوف الذي لم تجرؤ على نطقه، كل الأسئلة التي لم تعرف من أين تبدأ. نظرت إليها وأدركت في تلك اللحظة أن الأمر لم يعد مجرد تأخر.

قلت: سأنزل أبحث عنه.

 

نزلت إلى الشارع.

كانت المدينة في عيدها — أطفال بثياب جديدة يركضون على الأرصفة، موسيقى تخرج من نوافذ مفتوحة، سيارات تسير ببطء في شوارع مزدحمة. كان كل شيء يبدو طبيعياً بشكل مؤلم، كأن العالم لم يُبلَّغ بعد بأن شيئاً ما انكسر في الطابق السابع.

ذهبت أولاً إلى محل العصير في الزاوية — المحل الوحيد القريب الذي يبيع عصيراً بالقرب من بنايتنا.

قال صاحب المحل وهو يمسح طاولته: لا، ما جاء أحد بهذا الوصف اليوم. كل العيد ما فتحت إلا قبل ساعة.

وقفت على الرصيف.

إذن لم يأتِ إلى هنا أصلاً.

 

عدت إلىمواقف السيارات تحت البناية.

كانت سيارة أبي في مكانها. البيضاء القديمة التي يرفض استبدالها رغم إصرارنا عليه كل عام. واقفة في مكانها كاملة، لم تتحرك. فتحت مقبضها — لم تكن مقفلة. جلست في المقعد الأمامي لحظة.

رائحته لا تزال هناك. عطره الذي اعتدت عليه طوال عمري.

أخرجت هاتفي واتصلت به مرة أخرى.

مغلق.

نظرت من نافذة السيارة إلى مدخل البناية، إلى الشارع، إلى الناس الذين يمرون ولا يعلم أحد منهم بشيء. وللمرة الأولى منذ الصباح سمحت لنفسي أن أفكر في ما كنت أتجنبه طوال اليوم.

الهاتف المقلوب. النظرة التي لم تصل إلى العينين. اللحظة عند الباب حين توقف وربّت على كتفي كأنه يودّع.

كأنه يودّع.

ضغطت يدي على المقعد الجلدي البارد وأغمضت عيني.

وفي تلك اللحظة الهادئة المرعبة، بدأت أفهم أن أبي لم يخرج ليشتري عصيراً.

أبي خرج لأنه كان يعلم أنه لن يعود.

 

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.