تم إطلاق قسم القصص الرمضانية.
حكايات خاصة بالشهر الفضيل تُنشر تباعًا.

قصص رمضانية

قصة جوع يوم… شبع لحظات

ليس كل جوع سببه المعدة.
أحيانًا نجوع لأشياء نظن أنها ستملأنا… فإذا بها لا تدوم إلا لحظات.
في رمضان، حين يشتد العطش ويطول النهار، ينكشف لنا معنى خفي: كم من الأشياء التي نطاردها طوال اليوم، لا تستحق أكثر من دقائق قليلة.
هذه حكاية شاب اكتشف الحقيقة عند أول لقمة.

 

 

 

 

القصة

 

 

 

 

كان اسمه سليم.
في كل يوم من رمضان، يستيقظ متحمسًا في الصباح، لكن مع مرور الساعات يتحول حماسه إلى انتظار ثقيل.

عند الظهيرة يبدأ التفكير.
ماذا سيكون على المائدة؟
هل سيكون هناك عصير بارد؟
هل أمه ستعد الطبق الذي يحبه؟

كلما اقترب المغرب، ازداد خياله اتساعًا.
كان يتخيل اللقمة الأولى وكأنها أعظم لذة في الدنيا.
كان ينظر إلى الساعة أكثر مما ينظر إلى المصحف.
ينتظر الأذان كما ينتظر مسافر لحظة الوصول بعد طريق طويل.

في ذلك اليوم كان الجوع أقسى من المعتاد.
شعر بدوخة خفيفة، وجفاف في حلقه، وضيق في صدره.
جلس قبل الأذان بعشر دقائق أمام المائدة.
الأطباق مصطفة، والرائحة تملأ المكان.
كان ينظر إليها وكأنها كنز.

أذن المغرب.

مد يده بسرعة.
تمرة.
جرعة ماء.
لقيمات متتالية.
ثم طبق ساخن.

كان يأكل بسرعة كأن أحدًا سيأخذه منه.

وبعد دقائق قليلة فقط…
توقف.

رفع عينيه إلى الساعة.

خمس دقائق.

شعر بالشبع.
هدأت معدته.
اختفى التوتر.

اليوم كله… لأجل خمس دقائق فقط.

جلس صامتًا.
تسلل إليه شعور غريب.
كيف أمضى ساعات طويلة يفكر في شيء انتهى بهذه السرعة؟
كيف كان مستعدًا أن يجعل يومه كله يدور حول تلك اللحظة القصيرة؟

في اليوم التالي بدأ يراقب نفسه.
حين يشتاق لهاتفه طوال النهار، يمسكه بعد الإفطار… ثم يمل بعد دقائق.
حين ينتظر مباراة أو مقطعًا معينًا، يعيش حماسًا طويلًا… ثم ينتهي كل شيء بسرعة.
حتى الضحكة التي يطاردها، لا تدوم.

بدأ يفهم شيئًا بسيطًا لكنه صادم:
الشهوة تكبر في الانتظار، وتصغر في الواقع.

الجوع لم يكن المشكلة.
المشكلة كانت في تضخيم اللحظة.

في أحد الأيام، حين أذن المغرب، نظر إلى التمرة أمامه ولم يمد يده فورًا.
انتظر دقيقة كاملة.
ليس تحديًا للشرع، بل تحديًا لنفسه.
كان يريد أن يشعر أنه يملك قراره.

أفطر بعدها بهدوء.
أكل ببطء.
ولأول مرة لم تكن الخمس دقائق هدفه… بل مجرد جزء من يومه.

بدأ يهتم بما قبل الأذان، لا بما بعده.
زاد من قراءته للقرآن.
صار يخرج قبل المغرب بقليل ليتنفس الهواء ويذكر الله بدل أن يحدق في الأطباق.
صار يرى أن نهاره ليس مجرد انتظار لوجبة.

وفي ليلة من ليالي العشر الأواخر، جلس بعد الإفطار يتأمل.
تذكر كل الأشياء التي كان يظنها عظيمة في حياته.
كم منها انتهى بسرعة؟
كم منها أخذ من قلبه أكثر مما يستحق؟

أدرك أن الدنيا نفسها قد تكون مثل تلك المائدة.
ننتظرها طويلًا، نتعب لأجلها، نتعلق بها…
ثم تمر كخمس دقائق.

لكن ما يبقى حقًا، هو ما زرعته قبل أن تجلس إليها.

النهاية

 

 

 

رمضان لا يعلمنا الصبر على الجوع فقط، بل الصبر على الرغبة.
يعلمنا أن كثيرًا مما نركض خلفه، لا يساوي الركض.

سليم لم يتغير لأنه شبع.
تغير لأنه فهم.

فهم أن الشهوات كلها تشبه لحظة الإفطار:
ننتظرها طويلًا… وتنتهي سريعًا.

أما ما يُفعل لله، فيبقى أثره أطول من أي خمس دقائق.


من حصريات منصة “قصص”
حكايات تذكّرنا أن أعظم الانتصارات… تلك التي تكون على النفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.