قصة جلسة ضحك انتهت بكارثة بسبب الخمر

لا أحد يستيقظ صباحًا ويقرر أن يهلك نفسه. الهلاك لا يأتي فجأة، بل يتسلل بهدوء، بابتسامة، وبصحبة تبدو آمنة. يبدأ الأمر بتنازل صغير، ثم آخر، حتى يصبح التراجع أصعب من الاستمرار. هذه ليست قصة خمر فقط، بل قصة عقل غُيّب، وقلب أُضعف، ونصيحة دُفنت تحت ضحكات كاذبة.
القصة
كان يعرف أنهم سيئون، يعرف ذلك جيدًا. لكنه كان يقول لنفسه إن المعرفة وحدها كافية للحماية. كان يعتقد أنه أقوى من أن ينجرف، أذكى من أن يسقط. جلس معهم أول مرة بدافع الفضول، جلسة عادية، ضحك وحديث فارغ، لا خمر، فقط كلمات تستخف بكل شيء محترم.
في الجلسة الثانية، ظهرت الزجاجة. لم يشرب. قال لهم بوضوح إنه لا يريد. ضحكوا، لم يغضبوا، بل استخدموا السلاح الأخطر. السخرية. جعلوه يبدو ضعيفًا، مختلفًا، خارج الدائرة. في تلك اللحظة لم يكن يخاف من الخمر، بل من العزلة.
في المرة الثالثة، قالوا له: لا أحد يراك، ولا أحد سيحاسبك. الكأس لا تفعل شيئًا. ظل مترددًا، لكن عقله كان قد شُرب قبل فمه. شرب أول رشفة. لم يشعر بشيء، لا دوار، لا خوف. هنا بدأ الكذب الحقيقي. أقنع نفسه أن التحذيرات مبالغ فيها.
مرت الأيام، وصارت الجلسات عادة. لم يعد يشرب ليثبت نفسه فقط، بل ليهرب. الخمر لم تكن متعة، بل تعطيلًا مؤقتًا للعقل. كلما شرب، خفّ صوت الضمير، وكلما خفّ الصوت، زادت الجرأة. بدأ يقول ما لا يقال، ويفعل ما لا يفعل.
في إحدى الليالي، شرب أكثر من المعتاد. كان يضحك بلا سبب، يتحرك بلا وعي. لم يعد يرى الخطر، ولم يعد يسمع التحذير. اتخذ قرارًا خاطئًا، قرارًا لا يحتاج إلا لعقل حاضر. لكنه لم يكن حاضرًا.
وقعت المصيبة. خطأ واحد، لحظة واحدة، لكنها كافية لتدمير كل شيء. لم تكن مجرد مشكلة عابرة، بل ورطة حقيقية، فيها أذى، وفيها حساب، وفيها عار لا يُمحى بسهولة. حين زال تأثير الخمر، واجه الحقيقة كاملة، بلا تخدير.
بحث عن أصدقائه، لم يجدهم. بعضهم أغلق هاتفه، وبعضهم قال: لا دخل لنا. هنا فهم معنى قول الله تعالى:
﴿الأَخِلّاءُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقينَ﴾.
كانوا معه في الضحك، لكنهم لم يكونوا معه في السقوط.
جلس وحده، لأول مرة بعقل كامل، يسترجع كل خطوة. تذكر التحذير الذي كان يسمعه ويؤجله. وتذكر الآية التي لم يكن يفهم عمقها:
﴿إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصابُ وَالأَزلـمُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾.
أدرك أن كلمة اجتنبوه لم تعنِ لا تشربوه فقط، بل ابتعدوا عن الطريق كله، عن الجلسة، عن الصحبة، عن البداية.
لكن الإدراك جاء متأخرًا. الثمن دُفع. سمع حكم الواقع قبل حكم الناس. لم يكن الخمر هو من دمّره مباشرة، بل ما سلبه منه: العقل.
النهاية
هذه ليست قصة شخص واحد، بل قصة كل من ظن أن السيطرة ممكنة، وأنه سيتوقف قبل النهاية. الخمر لا تطلب إذنًا، وصحبة السوء لا تحذّر قبل أن تدفعك. البداية دائمًا بسيطة، والنهاية دائمًا قاسية.
وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَايُريدُ الشَّيطانُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغضاءَ فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَل أَنتُم مُنتَهونَ﴾.
فالعبرة ليست في سقوطه، بل في نجاتك أنت. إن رأيت الطريق يشبه هذا الطريق، فتوقف. لأن بعض النهايات لا تُمنح فرصة ثانية.






