قصص أكشن

قصة تهريب من أجل الحياة ج3 والأخير

عندما تتكاثر الطرق، يصبح الاختيار أصعب من الهروب نفسه. في هذا الجزء، لم يعد الخطر خارج الدائرة، بل في قلبها، ولم تعد النجاة فعل عبور فقط، بل قرار مواجهة.

الجزء الثالث هو لحظة الاصطدام بين ما كان يُدار في الظل، وما لم يعد ممكنًا إخفاؤه. هنا تتبدل الأدوار، وتتحول الخطط الهادئة إلى رهانات حاسمة، ويُجبر صاحب الطريق أن يختار بين الاستمرار بصمت، أو دفع الثمن علنًا.

نترككم الآن مع الجزء الثالث، حيث لا يعود السؤال: كيف ننجو؟
بل: من سيدفع الثمن… ولماذا؟

القصة

 

 

 

أنا أمين. في الليالي التي تلي كل عملية، أجلس وحيدًا أطالع الأفق وأعدّ الحسابات. لا أعد الأموال ولا أعد السيارات. أعدّ الوجوه التي عبرت، والوجوه التي لم تسنح لها الفرصة بعد. في تلك الليلة على البحر، بينما القارب يبتعد والأنفاس تهدأ مؤقتًا، ظننت أن أسوأ ما قد يحصل هو كشف بسيط أو تهديد عابر. لكن الخيانة التي بدأت كمشكلة صغيرة كانت بوابة إلى شبكة أوسع مما توقعت.

عادت الأخبار بسرعة. ليس عني مباشرة، بل عن أسماء، جهات، لوائح تُسمع في المخابئ المغلقة. البعض ممن وثقنا بهم سابقًا ظهروا متورطين مع جهات رسمية لم أرغب أن أراها مرتبطة بعملنا. أي أمر مهم في هذا العالم عادة ما يكون لونه رماديًا، لكن الرماد أمس كان يسحب لهبًا من كل ناحية.

لم أرد أن أضع خطة هجومية. لا أحب كلمة خطة إذ تعني دائماً حسابًا لأرواح بشر. لكن عندما بدأت الخيانات تتوالى وتتحول إلى قائمة من أسماء تُشطب وتُعاد، علمت أن البقاء في الظل لن ينقذ أحدًا. الظل الآن صار مكانًا يقتل الأمل. اتخذت قرارًا لم أرد أن أعلنه لأحد من البداية. قررت أن أتحول إلى طُعم.

لم أخبر الفريق بتفاصيل كثيرة، أخبرتهم فقط بما يحتاجون أن يعرفوه. سأبقى على اتصال ضعيف، سأعطيهم فرصة لنقل آخرين، وسأغري من يلاحقنا بأن يأتيني بدل ملاحقة المسارات الأخرى. لم أكن أبحث عن بطولة. لم أبحث عن صدام. رغبت فقط في أن أضع نهاية لمن يأخذون الأرواح باسم النظام أو الربح.

قبل أن أفعل ذلك، جمعت ما استطعت من أدلة. رسائل قصيرة، تسجيلات صوتية مسموعة على نحو غامض، شواهد عيون. لم أكتب تعليمات تفصيلية، لم أرسم خرائط، لم أشرح طرقًا أو خطوات. قلت فقط لصديق قديم في فريقنا إن ينقل الملفات إلى شخص يمكنه نشرها بطريقة آمنة، شخص لا يخاف من الحقيقة. حين يأتي الوقت، ستظهر أسماء، وستظهر طرق استغلال الضعفاء. هذا وحده كان سيفًا بطيئًا لكنه قوي.

ليلة التنفيذ، كان البحر مظلمًا أكثر من اللازم. أردت أن أؤمن للمجموعة طريقًا بعيدًا من أعين من يطاردوننا. أعطيت إشارة الانطلاق ثم بقيت. في قلب القارب، نظرت إلى العائلات التي أنقذناها مرارًا، تذكرت وجه الأم التي أمسكت يدي وهمست شكراً بلا صوت. قلت لهم إنني سأبقى في الخلف، وأنهم سيكونون بخير. لم أرغب أن أفعل ذلك، لكني عرفت أن إحدى القواعد القديمة تبقى صحيحة: أحيانًا من يضحّي يبقى الأمل للأكثر.

بعد دقائق، ظهرت أضواء سريعة من بعيد تقترب. كانت ليست دورية عادية. كانوا أكثر تنظيماً، صوتهم تقطعه تغريدة أجهزة الاتصالات. قررت ألا أصرخ ولا أقاوم. في الخطة التي قررتها، كان اعتقالي جزءًا من الهدف. لكن قبل أن أسمح لهم بأن يأخذوني، نفذت خطوة أخيرة. ضغطت زرًا صغيرًا في جهازٍ أخبأته منذ سنوات. لم أضع خرائط أو طرقًا، وضعت مفتاحًا رقميًا. هذا المفتاح لم يفتح بوابة. هو فتح ملفًا. ملفًا كان يحمل كل ما جمعت. لم يخبرني أحد أنّ نشر الحقيقة سهل. لكنني عرفت أنه أقوى من الصمت.

حينما اقتربوا، لم أمدّ يدي للحظة واحدة. سمحت لهم بأن يقيدوني وأصبحت ما يريدون أن يرونه: عنصرٌ يُقبض عليه. لكن الضحايا الذين كانوا في القارب وصلوا إلى شاطئ غير معروف، وتلاشت ظلالهم في ضوء الفجر. لحظة الخلاص لديهم كانت لحظة ألمٍ لي. لكنني علمت أن الألم ليس دائمًا خسارة. أحيانًا يتحوّل الخلاص إلى ثمن يدفع لمستقبل أفضل.

في القفص الضيق الذي وضعت فيه لاحقًا، لم يكن هناك جبروت. كان هناك أوراق وبعض أسلاك الاتصالات التي اعتاد السجانون على قطعها سريعًا. لكن أحدهم أخطأ ولم يقطعها كلها. ذلك الخطأ الصغير كان كل ما أحتاجه. الملف الذي أرسلتُه قبل أن تُسلب حريتي وصل إلى شخص مهم. لم أضع اسم هذا الشخص في السرد. كل ما أعرفه أن اسمه يرتبط بمدوّنة صغيرة وصلت إليها الرسالة، ثم انتشرت قصاصات منها إلى مؤسسات إنسانية ووسائط مستقلة لا تعتاد السكوت.

المشهد الذي تبع ذلك كان أقسى مما تخيلت. سحبوا أسماء من قوائمهم. لم يعد بإمكانهم تجاهل ما ظهر. لم يعد بإمكانهم معاقبة من أنقذناهم على الملأ. ضغطٌ خارجي واهتزازات داخلية جعلت بعض المصالح تتراجع. ليس لأنهم أصبحوا رحماء فجأة، بل لأن الحقيقة تصنع أعداء لا يستطيعون تحملهم علنًا.

أنا أمين، لم أعد في ذلك اليوم سوى اسم على ورقة. وضعوني في زنزانة، لكني لم أشعر بالندم. كنت أعلم أنني دفعت ثمناً أملته ضميري. بعض من بقي من فريقي واصل عمله بطرق جديدة، أقل عرضة للخطر، أكثر حكمة. البعض الآخر اختفى بعيدا ليبدأ حياة جديدة بهدوء. لم أعد حكماً على مصائرهم. كل واحد منهم حمل جزءًا من الطريق.

الليلة التي تلت كان الصمت فيها مختلفًا. لم يعد صمتي حافلاً بالقلق فقط. كان معه شيء من التفاؤل الحذر. الحقيقة بدأت تظهر شقها، ولم تعد مجرد سر نحمله. لا أعرّف النهاية هنا. لا لأنني أسعى إلى الغموض، بل لأن النهاية حقًا لم تكتمل. ربما سأخرج يومًا، ربما أبقى في الظل. لكني أكتب هذا الآن لأقول إن النجاة في بعض الأحيان تحتاج إلى ثمن. والثمن قد يكون قفصًا أو حرية مؤجلة. المهم أن الوجه الذي أنقذناه يبتسم في بلد بعيد دون أن يعرف من دفع ثمن ابتسامته.

النهاية

 

 

لم تنتهِ الحكاية بانتصار واضح، ولا بهزيمة كاملة. انتهت بقرار. قرار غيّر مسار الطريق، حتى لو لم يغيّر العالم كله. بعض الناس وصلوا، بعضهم اختفى، والبعض بقي يدفع الثمن في الظل.

ما حدث لن يُكتب في التقارير، ولن يظهر في العناوين، لكن أثره سيبقى في حياة من عبروا ونجوا. الطريق الذي كان مغلقًا انفتح مرة، وهذا وحده كان كافيًا.

هنا تتوقف هذه القصة. لا لأنها اكتملت، بل لأن ما بعدها لم يعد يُروى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.