قصة تهريب من أجل الحياة ج1

ليست كل الحكايات تُروى من جهة الضوء، ولا كل الأبطال يقفون تحت لافتة القانون. بعض القصص تولد في المناطق الرمادية، حيث يكون القرار أخطر من الصمت، والنجاة أغلى من الالتزام بالقواعد.
القصة
أنا أمين. الناس يعرفونني بأسماء كثيرة لكن لا أحد يسأل عن اسمي الحقيقي. هم يسألوني فقط إن كنت أستطيع إخراجهم. هذا كل ما يهمهم.
قبل أن أصبح من أسّست هذا الشيء الذي تسمونه عصابة، كنت موظفًا بسيطًا. عملت سنوات طويلة في دوائر لا تحب أن تُرى نور الشمس. رأيت وجوهًا تنهار أمامي. رأيت أطفالًا وسنّة أبيات تتحول إلى أرقام في ملف. في يومٍ ما فهمت أن بعض القوانين تحمي من يستغلون الآخرين أكثر مما تحمي الناس أنفسهم. فهمت أن إذا لم يتحرك أحد فسيموت كثيرون بصمت.
لم أبدأ لسرقة أو للثراء. لم أبدأ لأصبح مشهورًا. بدأت لأنني لم أعد أستطيع النوم. بدأت لأن صوت طفلٍ سألني وأنا في مكتبي إن كان بإمكانه اصطحاب أخيه إلى بلد يضمن لهما الأمان لم يخرج من رأسي. لم أجب. خرجت.
تكوّن حولي فريق صغير. ليسوا مجرمين بطبائعهم. سائق واحد يعرف كل طرق المدن القديمة. مترجم صامت عمله أن يصنع أوراقًا لا تسأل عن أصلها. فني شقيّ يساعدنا في إصلاح مركبات قديمة. وكلهم لديهم سبب للخروج كل ليلة. كل واحد منهم أنقذ شخصًا من الألم مرة، فقرر أن لا يبقى صامتًا.
قواعدنا بسيطة وواضحة. أولًا لا نبيع أحدًا. الذين يأتون إلينا هم ليجدوا طريقًا للخارج فقط. ثانيًا لا نفرّق بين الناس بحسب المال أو العِرق أو الدين. إن كانوا يهربون من ظلم أو موت فهم حقًا من يحتاجون المساعدة. ثالثًا لا نبحث عن ثناء. من يطلب منا الشكر سيجده عند باب بلدٍ آمن يومًا ما، وهذا يكفي.
لا أكتب هنا كيف نفعل ذلك. لن أضع خرائط أو وصفات. أسلوبي في العمل قائم على التخطيط، سرعة القرار، واحترام الحياة. لا أستخدم العنف إلا للدفاع عن نفسٍ مهددة. لا أحتفل بأي خطر نمر به. كل عملية تحمل ثمنًا في قلبي.
ذاك المساء وصل إليّ رجلٌ بعينين لا تعرف النوم. تحدث قليلًا، ثم قال إن عائلته تُلاحق لأنهم خاطروا بكلمة. استمعنا. قلت للفريق أننا سنساعدهم. بينما كنا نجهز الخطة عاد إليّ خبر غريب. أحد الذين أنقذناهم قبل أشهر، وقد منحناه فرصة وعملاً بسيطًا، ظهر في قائمة مشتبه بهم لدى جهةٍ ما. رأيت في وجه الرجل الذي جاء إليّ أمس شيئًا لم أره سابقًا. كان هناك خوف، لكن أيضًا شيءٌ آخر. شيئٌ أشبه بتعبير تقول فيه الروح إن ثمن الحياة قد لا يكون الحرية فقط.
لم تكن هذه المرة الأولى التي نخون فيها. الخيانات تحدث حيث يكون الخوف كبيرًا. لكن الخيانة التي تأتي من منقوذين سابقين أصعب. لأنها تبقيك تسأل إنك أحسنت الظن؟ هل قيمك كانت خطأ؟ أم أن العالم فقط يجعل من الاختيارات البسيطة قنبلة؟
في منتصف الليل جاء اتصال عن فرقة دورية قرب المدخل الذي اخترناه لعبور أولى المجموعات. لا أذكر أن قلبي كان هادئًا في أي عملية سابقة، لكن معرفة أن الأطفال في الداخل يجعل الأمر مختلفًا. أعدت تمرين الخروج في رأسي. لا أحتاج أن أفكر في كل التفاصيل. خبرة سنوات تُعلّمك أن القرار يتخذ لا عندما تسمع صفارة إنذار بل قبلها بثوانٍ.
قلت للفريق باختصار: سنغير الطريق. لا نذهب من حيث يتوقعوننا. سنأخذ خطوة واحدة أبعد مما اعتادوا. لن أطلب منهم شيئًا يخالف قواعدي. كل ما سنفعله هو أن نحمي الناس ونقلّهم بعيدًا عن هذا الطقس الذي يريد أن يبتلعهم.
لم أخبرهم بما رأيت في قائمة المشتبه بهم. لم أخبرهم أنني قابلت ذلك المنقذ القديم بالأمس، وأن شيئًا بداخله قد تقوّس. لم أخبرهم أنني أتساءل إن كانت كل عملية نجاة تقربنا من يومٍ سنُسأل فيه عن كل الأسماء التي عبرت أيدينا. لم أخبرهم لأن الإجابة لا تساعد الآن. الآن الوقت للعمل.
خرجنا قبل الفجر. الشوارع كانت نصف نائمة. المدينة تتنفس ببطء بينما نتحرك في صمت. أملك تسمية واحدة لكل عملية. أطلق عليها اسم نجاة، لأن هذا ما هي عليه في حقيقتها. لا تحتمل المبالغات. نجاة بسيطة، حياة تُبقي.
عندما اقتربنا من نقطة التجمع لاحظت ضوءًا بعيدًا. لم تكن سيارة دورية عادية. كان هناك رتل يحمل لوحات قديمة. تذكرت عندها تحذيرًا سمعته من زميلٍ قبل أيام عن دوريات جديدة تتجسس على طرق قديمة. تذكرت وعدي. وعدي أن لا أضع حياة الناس في لعبة.
ارتعشت يدّي لثانية، ثم قلت في قلبي عبارة قديمة أكررها قبل كل عملية. لا خوف سوى الخوف الذي يقتل. ثم ضغطت على زر صغير في جهاز لا أحبه، وبدأت الخطة البديلة. صوت المركبة الصغيرة تحت قدمي صامت. سركية الشارع كانت لصالحنا. لحظات وحسب وستنطلق الأقدام.
لم أنم منذ ذلك اليوم. ولن أنام إن بقيت الكثير من الناس حيث هم. لكنني أدرك أيضًا أن كل ليلة تحمل احتمال الانكشاف. ومع كل شخص ننقذه، ينمو خطر أن يرى العالم فعلنا بعين القانون وحده، لا بعين الإنسانية.
أمسك بقلمي الآن، أكتب ما لا أحب أن أقول بصوتٍ عالٍ. لا أبحث عن تبرير. أبحث عن سجل لأيامٍ أنقذنا فيها بعض الخواطر قبل أن تنطفئ الصور. هذا الجزء الأول فقط. النهاية لم تكتب بعد. لكن إن سألتني لماذا أستمر فإجابتي بسيطة. لأن أمامي وجوه لا تعرف أن تنتظر. لأن إنقاذ واحد يكفي ليدفعني أن أصبح ما أنا عليه.

