قصص عبرةقصص مضحكة

قصة اللص المحظوظ

يقولون إنَّ الحظَّ لا يُؤمَن جانبه، وإنَّ الدنيا في بعض أحيانها لا تخلو من مفاجآت تُربك الحسابات وتُقلب الموازين. وكم من إنسانٍ خطَّط لأمرٍ فوجد في نهايته عكسَ ما أراد، وكم من فعلةٍ بدت ذكيةً في بدايتها أفضت إلى موقفٍ لا يملك صاحبه فيه إلا أن يضحك من نفسه. وهذه حكايةُ رجلٍ ظنَّ أنَّ الحظَّ حليفُه، فإذا بالحظِّ يضحك منه في الخفاء.

 

 

 

 

القصة

 

 

 

 

في زاويةٍ من زوايا المدينة الصاخبة، حيث تتزاحم الأقدام وتتشابك الأكتاف في شوارع السوق، كان ياسر يقف خلف عمودٍ حجري قديم، تتراقص عيناه الصغيرتان يميناً وشمالاً كعصفورٍ يترقَّب القطط. لم يكن ياسر رجلاً شريراً بطبعه، بل كان  كما يصف نفسه دائماً  “رجلاً يعيش على الفرص”، وكانت الفرص في نظره كلَّ ما يلمع أو يُشير إلى أنَّ صاحبه لن يتفقَّده قريباً.

وفي تلك اللحظة، لمح فريسته.

كان رجلاً في منتصف العمر، يحمل حقيبةً جلديةً بنيةَ اللون، ضخمةً بما يكفي لأن تُثير الطمع، ثقيلةً بما يوحي بأنَّ فيها ما يستحق العناء. وقف أمام إحدى المحلات يحدق في واجهة الزجاج، وأعاد وضع الحقيبة على كتفه بلامبالاة تلك التي يفعلها من يظنُّ أنَّ العالم كلَّه أمينٌ ثقةٌ.

قال ياسر في نفسه وهو يُعدِّل وقفته: “الفرصة لا تطرق الباب مرتين.”

تقدَّم بخطواتٍ هادئة، خاطف الحركة، فانتزع الحقيبة من كتفه وولَّى هارباً كالريح في الأزقَّة الضيِّقة. سمع خلفه صراخاً، ثم صمتاً، ثم لم يسمع شيئاً، لأنَّ ساقيه كانتا أسرع من أذنيه.

ركض حتى ابتلعه زقاقٌ مظلم بعيد، فتوقَّف يلهث، ويدَه على صدره يحسب نبضاتٍ تتسابق. ثمَّ ابتسم تلك الابتسامة العريضة التي لا يعرفها إلا من يظنُّ أنَّه ربح.

أسند ظهره إلى الجدار، ووضع الحقيبة أمامه على الأرض بحفاوة من يضع كنزاً، ثم فتح السَحّاب ببطءٍ متعمَّد، كأنَّه يُمدِّد لحظة الانتصار.

أدخل يده.

أخرج كتاباً.

نظر إليه. كان عنوانه: “الجبر وحساب المثلثات — للصف الثاني الثانوي.”

أعاد يده.

أخرج كتاباً ثانياً.

“تاريخ الحضارات القديمة .”

ثم ثالثاً. ثم رابعاً. ثم وجد في آخر الحقيبة شيئاً ملفوفاً بورق أبيض، ففتح عنه أملاً أخيراً، فإذا هي… بصلة كبيرة ذهبية اللون، تفوح منها رائحة لا تحتاج إلى وصف.

ارتمى ياسر بظهره على الجدار وأغمض عينيه.

ثمَّ، في قاع الحقيبة، لمس ورقةً مطويَّة. انتشلها بأصابع باتت تفتقر إلى الحماس، ونشرها أمامه في ضوء الزقاق الشحيح.

كُتب عليها بخطٍّ أنيق:

“حظَّ سعيداً في حياتك.”

حمل الكتب تحت إبطه، ورمى البصلة في أول صندوق مهملات صادفه، واحتفظ بالورقة دون أن يعرف لماذا.

وحين عاد إلى بيته تلك الليلة، وجلس على كرسيه الوحيد في غرفته الضيِّقة، فتح كتاب الجبر على صفحةٍ عشوائية وحدَّق فيه طويلاً.

 

 

 

النهاية

 

 

 

يقول بعض الحكماء إنَّ أبلغَ الدروس هي تلك التي تأتي دون أن نطلبها، وفي أوقاتٍ لا نتوقَّعها، وعلى يدِّ أشخاصٍ ربَّما لم يقصدوا أن يُعلِّمونا شيئاً. وياسر لم يكن يعلم، حين شدَّ تلك الحقيبة وولَّى هارباً، أنَّه كان يسرق درساً وليس غنيمةً. ولعلَّ الدنيا في حكمتها الخفيَّة أرادت أن تقول له بلطفٍ ساخر: “إنَّ ما تبحث عنه لن تجده في حقيبة غيرك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.