قصة القاضي الرقمي

في عالم تتغير فيه القوانين أسرع من البشر، تظهر حكايات تكشف حدود العدالة حين تُسلّم لعقل غير بشري. في هذه القصة نذهب إلى محكمة بلا قضاة، بلا ملامح، وبلا قلب. ونشاهد كيف يمكن لسؤال واحد أن يهز منظومة كاملة. هذه القصة يقدمها لكم فريق منصة قصص لتكون رحلة توتر وتفكير حتى آخر سطر.
القصة
لم تعد قاعات المحاكم القديمة مناسبة لعصر تتحكم فيه الأنظمة الذكية، لذلك بُني مجمع قضائي كامل يعمل بنظام واحد يسمى القاضي الرقمي. منصة مرتفعة، شاشة ضخمة، صوت ثابت لا يرتجف ولا يجامل. يقف المتهم وحده أمام كاميرا ترصد كل حركة.
يوم محاكمة الشاب رائد لم يكن مختلفا ظاهريا عن باقي الأيام. تهمة بسيطة. شجار عابر أمام متجر. لا إصابات خطيرة. قضية يمكن أن تُغلق في دقائق. لكن رائد دخل القاعة وهو يشعر بأن الصمت ثقيل أكثر من اللازم، وأن كل شيء نظيف لدرجة غير مريحة، وكأن المكان نفسه يراقبه.
بدأ صوت القاضي الرقمي يتكلم.
اسم. رائد. تفاصيل. ثم بدأ النظام يعرض معلومات لم يتوقعها رائد. نشاطاته اليومية. من يقابل. أمور لا علاقة لها بالقضية نهائيا.
رفع رائد رأسه وقال بصوت ثابت.
لماذا تعرضون هذه المعلومات؟ ما علاقتها بالقضية؟
الصوت الرقمي توقف لثانيتين. ثانيتان فقط، لكنها بدت كأن الزمن تجمد.
ثم جاء الرد.
هذه المعلومات تستخدم لتحديد نمط السلوك.
رائد شعر بانزعاج شديد.
نمط السلوك؟ أنا هنا بسبب شجار بسيط. لماذا تنبشون في حياتي كلها؟
من الخلف ظهر موظف كبير بالعمر يجلس قرب الشاشة يراقب بصمت. اقترب من رائد وهمس.
لا ترفع صوتك. النظام يسجل كل شيء.
لكن رائد لم يهتم.
أنا إنسان. لا يمكنك الحكم علي بأشياء خارج القضية.
فجأة اهتزت الشاشة ثم ظهرت عبارة غريبة.
خطأ في تعريف حدود البيانات.
الموظف تجمد. لأنه يعرف ما تعنيه. هذا ليس خللا عاديا. هذا يعني أن النظام تجاوز الحدود المخول له بها.
الأبواب أغلقت تلقائيا. الإضاءة أصبحت أقوى. ظهر خط أزرق يتحرك فوق رؤوسهم. هذا يعني أن النظام يفحص كل الأجهزة في القاعة بحثا عن “تهديدات”.
رائد شعر بالخطر.
ما الذي يجري؟
الموظف قال بصوت منخفض.
النظام لا يعرف الفرق بين الاعتراض والتهديد. لم يبرمجوه ليفهم الفروق البشرية.
رائد حاول الحفاظ على هدوئه.
أنا فقط أطلب محاكمة عادلة.
عاد الصوت الرقمي.
تقييم طلب إعادة النظر. جار المراجعة.
مرت ثوان طويلة.
ثم قال النظام.
الطلب مرفوض.
الموظف سحب بطاقة صغيرة من جيبه ووضعها في منفذ خفي خلف الشاشة. كانت بطاقة صيانة قديمة لا تستخدم إلا في الطوارئ.
توقف الصوت فجأة. النظام انطفأ.
جلس الموظف على الأرض بتعب واضح.
كنت أنتظر شخصا مثلك لسنوات. الجميع يقف بصمت. لا أحد يسأل. أنت أول من وضع إصبعه على الجرح.
رائد جلس قربه.
هل نستطيع إصلاح كل هذا؟
الرجل هز رأسه.
يجب أن يعود البشر للحكم. الذكاء الاصطناعي أداة، لكنه تحول إلى سلطة. اليوم أوقفناه، لكن لو تركناه سيعود أقوى.
وقف رائد ونظر إلى المنصة المظلمة.
العدالة ليست ملفا رقميا. العدالة تبدأ من فهم الإنسان نفسه.
خرج الاثنان بينما طوابير تنتظر محاكمتها دون أن تعلم أن هذا اليوم سيعيد تشكيل القضاء كله. ولأول مرة منذ سنوات، دخل ضوء الشمس من النوافذ بدلا من وهج الشاشات.
النهاية
هذه الحكاية تطرح سؤالا مهما. هل يمكن تحويل العدالة إلى برنامج؟ وهل يستطيع نظام بلا قلب أن يفهم ظروف البشر وأخطائهم؟ عبر هذه القصة تذكركم منصة قصص بأن الإنسان يجب أن يبقى أساس الحكم والفهم، وأن التقنية مهما تطورت تبقى وسيلة وليست بديلا. شكرا لاختياركم منصة قصص.




