قصة العودة الى بيت الجد ج5 والأخير

مرّ عامان، لكن الزمن لم يمحُ شيئا.
ظننت أن مغادرتنا للقرية ستنهي كل ما حدث، وأن المسافة كافية لدفن الذكريات. لكن بعض الأماكن لا تُترك خلفك، بل تبقى عالقة بك، كأنها أخذت شيئا منك ووضعت مكانه شيئا آخر.
في هذا الجزء، لا أروي ما حدث في البيت، بل ما حدث بعده. ما فعله الغياب بنا، وكيف أن بعض الأبواب، حتى إن أُغلقت، تظل مفتوحة من الداخل.
القصة
غادرنا القرية في الصباح التالي.
لم ينطق أحد بكلمة طوال الطريق. أمي لم ترفع رأسها. أبي كان يقود كأن الطريق لا نهاية له. أما أنا، فكنت أحدق من النافذة وأعيد المشهد في رأسي مرة بعد أخرى.
قالوا إنها سقطت.
حادث.
خطأ في الظلام.
حافة حجرية قديمة وبئر بلا سور.
هكذا سُجّل الأمر.
لكنني كنت أعلم أن القصة لم تكن بهذه البساطة.
مرت الأيام بعد عودتنا إلى المدينة ببطء. البيت الذي كنا نعيش فيه صار مختلفا. لم يعد الضحك يملأه. لم تعد أمي تطهو كما كانت. أبي أصبح صامتا أكثر مما ينبغي.
أما أنا، فكنت أستيقظ كل ليلة عند نفس الساعة.
دون منبه.
دون صوت.
أستيقظ وكأن شيئا أيقظني.
في البداية ظننت أن الأمر مجرد أثر نفسي. فقدان، صدمة، شعور بالذنب. كنت ألوم نفسي. لو أنني أمسكت بيدها بقوة أكبر. لو أنني لم أتركها وحدها في تلك الليلة. لو أنني أقنعت أبي بالمغادرة قبل ذلك.
لكن بعد أسابيع، بدأت أسمع شيئا.
همسا خافتا.
ليس واضحا.
ليس قريبا.
لكنه مألوف.
كان يأتي من زاوية غرفتي. نفس الزاوية التي أشارت إليها أختي في تلك الليلة، حين قالت إن أحدا يقف هناك.
كنت أفتح عيني ببطء، أحدق في الظلام، وأقنع نفسي أنني أتخيل.
إلى أن حدث ما لم أستطع إنكاره.
في إحدى الليالي، لم أسمع الهمس.
سمعت اسمي.
بوضوح.
فتحت عيني بسرعة.
الغرفة كانت مظلمة، إلا من ضوء خافت يتسلل من الشارع. جلست في سريري، قلبي يضرب بقوة.
ثم رأيتها.
لم تكن واضحة تماما، ولم تكن جسدا كاملا. مجرد ظل يقف قرب الباب.
صغير.
ساكن.
لم أصرخ.
لم أستطع.
سمعت صوتها، كما كان في القرية، هادئا، مطمئنا.
وبقيت أنا جالسا حتى الفجر.
بعد شهرين، عاد أبي إلى القرية وحده. قال إنه يريد إغلاق البيت وبيعه. لم يخبرنا بما وجده هناك. لكنه حين عاد، لم يكن كما كان.
سألته مرة إن كان دخل الغرفة الخلفية.
نظر إلي طويلا، ثم قال:
الصندوق لم يكن فارغا.
لم يسألني كيف عرفت بوجوده.
لم أسأله ماذا وجد.
لكنني فهمت.
واليوم، بعد عامين، ما زلت أستيقظ أحيانا عند نفس الساعة. أسمع الهمس. أحيانا أسمع ضحكة خافتة تشبه ضحكة أختي.
لا أشعر بالخوف كما كنت.
أشعر بشيء آخر.
النهاية
الأحداث الواردة في هذه القصة ليست من نسج الخيال كما قد يظن البعض.
هي شهادة وصلت إلينا مكتوبة، بتفاصيلها كما رواها صاحبها بعد عامين من الحادثة.
القصة مرسلة من صديقنا سامي، الذي فضّل نشرها كما كُتبت، دون تغيير في جوهرها، احترامًا لما عاشه صاحبها.
نحن لا نملك دليلاً يثبت كل ما ورد فيها، ولا ننفيه.
لكننا نؤمن أن بعض الحكايات لا تُخترع… بل تُحكى لأنها أثقل من أن تبقى في صدر صاحبها.
قصص
حيث تصلنا الحكايات كما هي… ونترك لكم الحكم.
.



