قصة الساعة الثالثة

اهلا وسهلا بكم متابعي موقع قصص
لقد اضفنا اليوم قصة جديدة
استمتعوا!
هذه القصة من حصريات موقع قصص
القصة
لم يكن الليل مختلفًا عن سابقيه، ساكنًا كعادته، ثقيلًا كالغبار الذي يملأ شقة سامر منذ سنوات. رجل وحيد، لا أصدقاء له ولا جيران يعرفونه، يسكن في الطابق السادس من بناية صامتة، حيث كل شقة تبدو وكأنها قبر منفصل. لم يكن يتوقع أن يحدث شيء في تلك الليلة، حتى رنّ هاتفه الأرضي القديم، ذلك الهاتف الذي لم يستعمله منذ شهور.
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة إلا دقيقة. الرقم لم يظهر كاملًا، مجرد أحرف وأرقام مبعثرة كأن الشاشة تعاني خللًا أو كأن الرقم لا ينتمي لهذا العالم أصلًا. رفع السماعة مترددًا، وفي اللحظة التالية تسلل إليه صوت بارد، مبحوح، صوت لم يكن يحمل أي انفعال بشري، كأنه صادر من فم بلا دماء:
“سامر… ستغادر في الثالثة والسبع دقائق.”
ثم صمت مطبق، تلاه انقطاع الخط.
ظل سامر يحدّق في الهاتف بيد مرتجفة، وعينين فارغتين. حاول أن يقنع نفسه بأنها مزحة، خدعة من أحد العابثين، لكن داخله كان يعرف أن ما سمعه لم يكن صوتًا بشريًا بالكامل. هناك شيء في ذلك الهمس، صدى غريب كأنه خرج من أعماق بئر لا نهاية لها.
الوقت بدأ يثقل. الدقائق صارت تسقط ببطء قاتل. في البداية حاول أن يتجاهل الأمر: شغّل التلفاز، فتح كتابًا قديمًا، أشعل سيجارة. لكن عقله لم يتوقف عن تكرار الجملة: الثالثة والسبع دقائق. الثالثة والسبع دقائق.
في الثانية عشرة والنصف، سمع أول خربشة. جاءت من الجدار خلفه، صوت أظافر تحكّ الطلاء بخبث. التفت مذعورًا، لكن لم يكن هناك شيء. عاد إلى مكانه، حاول أن يضحك على نفسه، لكن الخربشة تكررت. هذه المرة أقرب، أبطأ، وكأن شخصًا عالقًا في الداخل يحاول أن يشق طريقه للخارج. وضع أذنه على الحائط، وهنا تجمّد الدم في عروقه: كان نفس الصوت من المكالمة، يهمس من وراء الجدار:
“الثالثة والسبع دقائق… الثالثـة والسبع دقائـق…”
تراجع سامر وهو يرتجف، جلس على الأرض، ويداه لا تكفان عن الارتعاش. لم يعد قادرًا على التفكير. أمسك هاتفه المحمول واتصل بالشرطة، لكن الخط لم يرن، بل جاءه نفس الصوت عبر سماعة هاتفه:
“لن ينفعوك… لن يسبقوك… أنت تعرف أن الوقت يقترب.”
ألقي الهاتف بعيدًا كأنما احترق بيده.
الساعة الثانية إلا عشر دقائق.
الأنوار في الشقة بدأت تخفت تدريجيًا، ليس بسبب انقطاع الكهرباء، بل كما لو أن الظلام نفسه يزحف ويبتلع الضوء قطعةً قطعة. دخل المطبخ ليشرب ماءً، وعندما رفع الكوب إلى شفتيه، رأى وجهه ينعكس في السائل، لكنه لم يكن وجهه الطبيعي: عيناه كانتا سوداوان تمامًا، وفمه مفتوح في ابتسامة باردة لا تخصّه. ألقى الكوب أرضًا وهو يتنفس بصعوبة.
مع اقتراب الساعة من الثالثة، بدأت الأصوات تزداد. خطوات بطيئة في الممر. صرير باب لم يفتح. همسات متقطعة من كل زاوية. أحس سامر أنه لم يعد وحده، بل محاصر بأرواح أو كائنات غير مرئية، كلها تنتظر اللحظة المحددة.
عند الثالثة إلا خمس دقائق، رن الهاتف الأرضي مرة أخرى. هذه المرة لم يكن مجرد رنين، بل كان الصوت يخترق جدران الغرفة كلها. حاول أن يسد أذنيه، لكن الرنين كان في رأسه. رفع السماعة ببطء، وسمع الهمس للمرة الأخيرة:
“اقتربت… لا تقاوم… الثالثة والسبع دقائق هي موعدك، ونحن لا نخطئ.”
وضع السماعة وصرخ، لكن صوته لم يخرج. حلقه كان مقيدًا، كأن الهواء تجمد داخله.
الثالثة تمامًا.
توقفت كل الأصوات. حتى الساعة على الجدار توقفت. لحظة سكون مطلق، كأن العالم نفسه انكسر. سامر جلس على الكرسي ينتظر. عيناه تراقبان عقرب الدقائق يقترب من الرقم سبعة.
الثالثة والسبع دقائق.
في تلك اللحظة، انطفأ الضوء كله. الشقة غُمرت بعتمة مطلقة، أعمق من أي ظلام عرفه من قبل. وفجأة شعر بيد باردة، خشنة، تمسك بكتفه من الخلف. لم يستطع الالتفات. لم يستطع الصراخ. كل ما شعر به هو أن شيئًا ما يسحب روحه من جسده ببطء، كمن يفرغ زجاجة من الماء.
حين أشرقت الشمس، لم يكن هناك أحد في الشقة. الكرسي كان فارغًا، والهاتف ما زال يرنّ بلا توقف.
ويقال إن أي شخص يمر أمام تلك النافذة في ليالي معينة، يرى ظل رجل جالسًا، يحدّق في الفراغ، منتظرًا اتصالًا جديدًا.
النهاية
انتهت القصة
نتمنى أنكم استمتعتم بقراءة القصة. اذا لديكم قصص وترغبون بمشاركتها معنا ، تواصلوا معنا عبر بريد الموقع info@qesass.net.
إدارة موقع قصص






