قصة الأمانة حين تُختبر القلوب

ليست الأمانة كلمة تقال في الخطب ولا مثالا يكتب في الكتب، بل لحظة صامتة يختلي فيها الإنسان بنفسه، ويُترك فيها وحيدا أمام اختياره الحقيقي. في تلك اللحظة لا ينقذك اسمك ولا ماضيك، ولا يشهد لك أحد. إما أن تكون كما تدّعي، أو كما تخفي. هذه ليست قصة بطل خارق، بل قصة إنسان عادي، امتحنه الله باختبار واحد، لكنه كان كافيا ليكشف كل شيء.
القصة
كان سالم يعمل في مخزن قديم عند أطراف المدينة، مخزن لا يلفت الانتباه، مثله تماما. رجل في منتصف العمر، ملامحه متعبة، ويداه خشنتان من كثرة الحمل والعمل. لم يكن يشكو كثيرا، لكنه كان يعرف طعم الحاجة جيدا. كل شيء في حياته محسوب، الراتب، الفواتير، الديون، حتى أحلامه أصبحت صغيرة كي لا تؤلمه.
في تلك الليلة، كان الجو ثقيلا والمدينة شبه نائمة. صاحب المخزن تأخر على غير عادته، وترك سالم وحده ليغلق المكان. كان الضوء الأصفر الخافت يملأ الزوايا، والهدوء يضغط على الأذن. وبينما كان سالم ينقل بعض الصناديق، تعثر بشيء لين. انحنى، فوجد كيسا صغيرا عالقا خلف رف مهمل.
فتحه ببطء.
تجمدت يداه.
مال كثير. أوراق مرتبة بعناية، تفوح منها رائحة جديدة. لم يحتج إلى العد ليعرف أن هذا المبلغ كفيل بأن ينهي سنوات من الضيق.
أغلق الكيس بسرعة، ثم أعاد فتحه. قلبه بدأ يخفق بقوة. نظر حوله. لا أحد. لا صوت. لا كاميرات.
جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط البارد. بدأت الأفكار تتصارع داخله.
قال إن المرض الذي أصاب أمه لم يترك له خيارا.
قال إن صاحب المال لن يتأثر.
كل فكرة كانت تبدو منطقية، مقنعة، جاهزة لتبرير السقوط.
ثم سكت.
دخل في صمت ثقيل.
شعر بشيء يضغط على صدره، ليس خوفا، بل يقظة. تذكر أول يوم عمل له، حين أوصته أمه قائله: لا تأكل حراما، ولو جعت. تذكر صلاته التي كان يتمسك بها رغم التعب، وكأنها آخر ما يربطه بنفسه.
ولكن تذكر أن الله يرى كل شئ.
نهض ببطء. يده ما زالت ترتجف. أعاد الكيس إلى مكانه بعناية، وكأنه يعيد شيئا أثقل من المال نفسه. أغلق المخزن، وخرج إلى الليل. الهواء كان باردا، لكنه شعر بدفء غريب في داخله، دفء لم يشعر به منذ سنوات.
تلك الليلة لم ينم. لم يكن نادما، ولم يكن منتصرا. كان مرهقا، كمن خرج لتوه من معركة خفية.
في الصباح، دخل صاحب المخزن غاضبا، وجهه شاحب وصوته مرتفع. المال ضاع. قلب سالم انقبض، لكنه لم يتراجع. اقترب بهدوء، وروى ما حدث، وأرشده إلى مكان الكيس. صمت الرجل، ثم فتحه بيدين مرتعشتين. المال كامل.
نظر إلى سالم طويلا. لم يسأله لماذا. كأنه فهم كل شيء دون شرح.
مرت أيام، ثم استدعاه. لم يكن الحديث عن المال هذه المرة، بل عن الثقة. رفع راتبه، ومنحه مسؤولية أكبر، لكنه قال جملة لم ينساها سالم أبدا: المال يعود ويضيع، لكن الإنسان الصادق نادر.
عاد سالم إلى بيته ذلك اليوم مختلفا. كان أهدأ. لأول مرة شعر أن فقره لم يعد عيبا، وأن كرامته لم تعد معلقة برقم.
النهاية
ليست الأمانة موقفا عابرا، بل هوية تظهر حين تختفي العيون وتسقط الأعذار. قد يظن الإنسان أن الصدق يحرمه مما يحتاج، لكنه في الحقيقة يحميه مما لا يطيق. ما تركه سالم لم يكن مالا، بل فتنة، وما كسبه لم يكن وظيفة أو ثقة فقط، بل سلاما داخليا لا يُقدّر بثمن. هكذا تمضي الأمانة دائما، صامتة، ثقيلة، لكنها حين تُختار تفتح أبوابا لا تُفتح بالقوة، وتترك في القلب طمأنينة يعرف صاحبها أنه اختار الطريق الصحيح، ولو كان أصعب الطرق.






