تنويه:
عاد الموقع للعمل بشكل طبيعي بعد نقل الاستضافة بسبب ضغط زيارات مرتفع. نعتذر عن أي إزعاج، وشكرًا لصبركم ودعمكم 🤍

قصص أكشن

قصة إعتراف المجرم الأخير ج3

في هذا الجزء تبلغ اللعبة ذروتها، ويتحوّل السارق من صانع فوضى محسوبة إلى رجل محاصر بنتائج أفعاله. لم يعد الخطر قادماً من الشرطة وحدها، بل من قوى خفية تحرّك المشهد من وراء الستار. هنا تتداخل الحقيقة مع الفوضى، وتبدأ الخسائر الشخصية بالظهور، لتصبح كل خطوة قراراً مصيرياً لا يمكن التراجع عنه. هذا فصل المواجهة الداخلية قبل المواجهة الكبرى، حيث يقترب السرد من نقطة الانكسار التي تغيّر كل شيء.

 

 

 

القصة

 

 

 

 

لم يَعُد الأمر لعبة. في الجزء الثالث انقلبت الخيوط إلى أحبال تقيد كل خطوة أخطُوها. كل قرار اتخذته كان له صدى يتحول سريعاً إلى انفجار في الشوارع. ظننت أنني أتحكم في الإيقاع، لكنني اكتشفت أن الإيقاع كان يتحكم بي أيضاً.

بعد رسالتي التي هزت غرف السلطة، قررت أن أواجه مصدر القوة الخفي. الرجل الذي ظهر كظل بين المؤسسات لم يهاجمني بالسلاح ولا بالتهديد المباشر. كان هجومه أكثر خطورة. استدرجني بكلمات تبدو منطقية. عرض عليّ معادلة، لم تكن معادلة عدالة، بل معادلة توازن. قال إنني قد أؤذى أكثر ممّا أصلح. هزه زلزلني لأنه ذكر شيئاً لم أستطع قوله لنفسي: أن ثمن الحقيقة قد يكون حياة من لا علاقة لهم بالخطأ الأصلي.

رفضت مخاطبته بالاسم. رفضت أن أضع وجهاً أمام الهدف. قررت أن أراكِز سلاحي في العلن، فأجبرت النظام على مواجهة نفسه. لكنني لم أكن أعمى للنتائج. أعلمت نفسي أن أتحكم في الخسارة بقدر الإمكان. صنعت خطة محكمة لكشف مجموعة تتقاسم المسؤولية عن عقودٍ قتلت الناس بصمت. لم أكن أتطلع إلى دماء، بل إلى نشر عقود وأسماء ووقائع تكشف الوجه الحقيقي لمن يلبسون ثياباً بيضاء في النهار ويعقدون صفقات على الألم ليلاً.

في ليلة الإعلان، اخترت محطة بث حيّة. لم أختر التلفاز لأنه منصة، بل لأنه مرآة عامة لا يمكن أن يغلقها أحد بسرعة. زودت المحطة بمجلدات رقمية، تسلسلات براهين، شهادات من موظفين كانوا يصرخون في الخفاء. الهدف كان بسيطاً، جعل المدينة تشاهد. لم أرد أن أكون ظلّاً في كل الأوقات. أردت أن أجعل الظلال تظهر هويتهم.

الذي حدث كان أسرع مما توقعت. الناس شاهدوا، هم اعتادوا أن يروا أخباراً تتلاشى مع فنجان قهوة. هذه المرة الأخبار كأنها بذرة وضعت في تربة جافة. خرجت الجماهير. لم يكن غضباً بريئاً. كان تجمّعاً من الألم المتراكم. الشوارع امتلأت بأصوات لم تسمعها المدينة منذ سنوات. هذه الأصوات كانت سلاحاً جديداً. كان ظني أن هذا سيدفع المؤسسات إلى أن تبتلع كبرياءها وتتحول إلى عدالة. كنت مخطئاً.

الصدام الأول كان مع الشرطة. الضابط سامي، الذي صار وجهاً للبحث عني، لم يعد قادراً على إخفاء توتره. هو رجل متقن لقواعد اللعبة. لكنه إنسان أيضاً. رأيته ينهار في غرفة الاجتماعات حيث تُخطط الردود. رأيت عينيه تقول إن أمامه خيارين مخيفين. هذا الارتباك ساعدني في شيء واحد، منحني وقتاً. لكن الوقت لم يكن معي دوماً.

مع تصاعد الاحتجاجات، ظهر طرف ثالث. لم يعد الرجل الغامض يراقب من الخارج. تدخل. كشف عن عملاء في مؤسسات يعتقدون أنهم فوق المساءلة. بدأوا يضغطون. ليسوا بحاجة لإثبات تواطؤ، لأنهم يملكون القدرة على خنق الحقيقة. بدأوا بتصفية من أراهم خطرًا مباشرًا. اختفت حسابات، تم تهديد شهود، صُرفت ميزانيات إعلامية لإخراج روايات بديلة. رأيت الخيوط التي نسجها هذا الرجل تقود إلى قطبٍ اقتصادي ضخم، وإلى رجال أمن لا يخفون استهتارهم.

والآن المفارقة المرّة. الخطة التي صنعتها لكشفهم، كانت تعمل مثل مرآة تعكس ضوءاً حاداً نحو وجوههم. لكن الضوء لم يشرّبهم بالحرج فحسب. الضوء أضاء فراغات، فتح أشياء لم تظهر في الحسبان. ظهرت جماعات انتهازية من الطرفين. المتطرفون من جانبي الشعب، وبعض البلطجية الذين اعتادوا أن يستغلوا الفوضى. تحوّل الشارع إلى ساحة اختبار لكل رغبة مظلمة. ووسط هذا الانفلات، حدث ما لم أتهئه.

أحد أصدقائي القلائل، عمر، دفع ثمن جهدي. عمر كان رفيقي منذ أيام المدرسة. لم يكن رجلاً سياسياً، لم يكن ناشطاً متحمساً. كان رجلاً عرف كيف يصنع أشياء بسيطة تحميني، كيف يخيط أقنعتي عندما أحتاج، كيف يبتسم رغم القهر. لم يكن له طموحاتٍ في اللعبة الكبيرة. لكن وجوده بالقرب مني جعله هدفاً سهلاً. قبضوا عليه خلال مداهمة انتقائية في حيّنا. لم يلاقِ معاملة عادلة. لم أستطع الوصول إليه في اللحظة الحاسمة. أهل الحي أخبروني أن الشرطة أخذته باحتياج لتبرير اعتقالات أخرى. بعدها لم تعُد أخبار عنه واضحة.

لم أخسر فقط صديقاً. خسرت براءة داخل جسدي. ثم جاءت الأخبار التي قطعتني نصفين. خلال احتجاجات تحولت إلى مواجهة، وقعت أعمال عنف راح ضحيتها أشخاص من الطبقات الأضعف. لم يكن من أخلاقي أن أصفي حسابي ثم يشهد الطريق أناساً يدخلون الموت دون ذنب. رأيت صور الوجوه في الصفحات، أناساً أكلتهم الصدفة في المسيرة. كل صرخة على الهواء كانت تحملني جزءاً من اللوم. لقد صنعت موجة كشتّت لكنها لم تذهب إلى مصب العدالة الذي تمنيته.

في الخفاء، الرجل الغامض لم يتوقف. سحب خيطاً جعلني أبدو في مرمى الاتهام بشكلٍ مباشر. تسربت أدلة مزيفة تفيد بأنني تواصلت مع جماعات تهدف للعنف. أنا لم أقم بهذا. لكن السرد كذّاب. المصادر التي تُعطيها له كانت كالخميرة التي تُعلّل رغيف الاتهام. رأيت الضباط يستخدمون هذه الأدلة لفرض حالة استثنائية. رؤيتي للمدينة تغيّرت. لم أعد قادراً على التمييز بين من هو عدوي الحقيقي ومن هو مجرد مرآة لخطأي.

الآن أنا هنا أمامك، أكتب لأرتب الأفكار قبل أن ينفجر كل شيء. الصراع لم يعد بيني وبين رجل واحد أو مؤسسة واحدة. الصراع صار بيني وبين النتيجة التي أحدثتها. بيني وبين فكرة أن انتقامي قد صار سلاحاً يجرح من لم يستحقون. أدركت أن كل كشف قد يحمل ثمنه. هذا الإدراك لم يضعفني. لكنه جعلني أكثر حدة في التفكير. تعلمت أن أضع حدوداً لأفعالي، لكن الحياة لم تمنحني دائماً قراراً واضحاً.

وفي الليلة التي توالت فيها الخسائر، وصلتني رسالة واحدة من الرجل الغامض. كانت كلماتها بسيطة، لا تسوق للتهديد، بل للقراءة الباردة. قال فيها إنني أقترب من نقطة لا رجعة فيها، وأن القرار القادم سيؤدي إلى فصل لم أعد قادراً على تحمله. فهمت الرسالة جيداً. لم تكن مجرد تهديد. كانت إنذاراً بأنني عبأت مجالاً ملتهباً أكثر مما يجب.

أغلقتُ الباب على نفسي، وجلست أحسب الحسابات. أمامي خياران فقط، أو هكذا بدا لي. الأول أن أصعد في المسرح، أن أقاتل وجهًا لوجه مع هذا الرجل، أن أخرجه من الظل بصوتٍ مباشر ولو كلفني ذلك شيئاً شخصياً عظيماً. الثاني أن أتراجع، أن أترك ما تبقى من الناس ليلتئموا دوني، أن أمحو اسمي كرشحٍ من ذاكرة المدينة. أيُّ خيارٍ منهما يحمل موتاً، وإن لم يكن موت الجسد فلن يكون موت الفكرة سهلة.

أنهي هذا الجزء وأنا أدرك أن الطريق لا يعود للخلف. أمامي لحظة حاسمة، قرار يتطلب تضحية. لا أستخدم كلمة بطولي. البطولات هنا قد تكون مسرحية مكلفة. ما أعرفه الآن هو أنني لم أعد أستطيع أن أقف على هامش الغضب. سأختار، وسأدفع الثمن. النهاية تقترب. في الجزء القادم سأُقبل المواجهة. سأكشف كيف تصطدم إرادتي بإرادة من يملك المال والسرّ. سأُجرب مصيراً قد يكتب التاريخ أو يدفنني في نسيانٍ أبدي. استعد لوقفةٍ لا ترحم.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.