قصة آخر صلاة تراويح

في ليالي رمضان تمتلئ المساجد بالمصلين، ويقف الناس صفوفًا طويلة خلف الإمام، يقرؤون القرآن ويطلبون المغفرة. لكن هناك حقيقة لا يفكر فيها كثيرون: قد تكون بعض العبادات التي نقوم بها اليوم هي آخر مرة نفعلها في حياتنا دون أن نعلم. هذه القصة تذكّرنا بقيمة كل ركعة نصليها، وكل لحظة نقف فيها بين يدي الله.
القصة
كان عبد الرحمن رجلًا في الخمسين من عمره، معروفًا في الحي بهدوئه وابتسامته الدائمة. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يحب المسجد حبًا كبيرًا، خاصة في رمضان.
في كل ليلة بعد الإفطار بوقت قصير، يخرج من بيته ومعه ابنه يوسف، الذي كان في السادسة عشرة من عمره.
كانا يسيران معًا في الطريق المؤدي إلى المسجد، يتبادلان الحديث أحيانًا، وأحيانًا يمشيان في صمت هادئ.
في إحدى ليالي رمضان، وبعد انتهاء صلاة التراويح، جلس عبد الرحمن قليلًا في المسجد يسبّح بهدوء.
جلس يوسف بجانبه وقال:
“يا أبي، أحيانًا أشعر بالتعب من التراويح.”
ابتسم عبد الرحمن ونظر إلى ابنه بلطف، ثم قال:
“أتعلم يا يوسف؟ سيأتي يوم تتمنى فيه أن تقف ركعة أخرى في التراويح.”
استغرب يوسف وقال:
“لماذا يا أبي؟”
أجاب والده بهدوء:
“لأن الإنسان لا يعرف متى تكون آخر فرصة له.”
لم يفهم يوسف كلامه جيدًا، لكنه هز رأسه موافقًا.
مرت الأيام، وكان عبد الرحمن لا يترك التراويح أبدًا. حتى عندما كان يشعر بالتعب، كان يقول لابنه:
“هي أيام قليلة… وستمر بسرعة.”
وفي ليلة من ليالي رمضان، بعد انتهاء الصلاة، وقف عبد الرحمن عند باب المسجد ينظر إلى المصلين وهم يغادرون.
قال لابنه بصوت هادئ:
“ما أجمل هذه الليالي…”
ثم أضاف مبتسمًا:
“يا يوسف، لا تترك التراويح مهما كبرت.”
ضحك يوسف وقال:
“حسنًا يا أبي.”
عادا إلى البيت تلك الليلة كعادتهما.
لكن في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف على صوت حركة غير عادية في البيت. كان أفراد العائلة مجتمعين، والوجوه مليئة بالحزن.
علم يوسف بعد لحظات أن والده قد توفي أثناء نومه بهدوء.
وقف يوسف في مكانه مصدومًا. لم يستطع أن يستوعب ما حدث.
وفي تلك الليلة، عندما ذهب إلى المسجد لصلاة التراويح، شعر بشيء مختلف تمامًا.
دخل المسجد ونظر إلى الصفوف، ثم وقف في المكان الذي كان يقف فيه والده دائمًا.
بدأت الصلاة، وعندما قرأ الإمام القرآن، تذكر يوسف كلمات والده:
“سيأتي يوم تتمنى فيه ركعة أخرى.”
شعر أن الكلمات أصبحت واضحة الآن أكثر من أي وقت مضى.
فهم أخيرًا ما كان يقصده والده.
كانت ليلة الأمس… آخر صلاة تراويح في حياة عبد الرحمن.
ومنذ تلك الليلة، لم يترك يوسف صلاة التراويح أبدًا.
ليس لأنه لم يعد يشعر بالتعب…
بل لأنه أدرك أن كل ركعة قد تكون الأخيرة.
النهاية
نحن نعيش أيامنا وكأن الفرص لا تنتهي، وكأن الوقت دائمًا معنا، لكن الحقيقة أن الإنسان لا يعلم ماذا يخفي له الغد. وقد بيّن النبي ﷺ أن هناك أمورًا لا يعلمها إلا الله، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
فهذه أمور خمسة لا يعلمها إلا الله: وقت قيام الساعة، ونزول المطر، وما في الأرحام، وما الذي سيكسبه الإنسان غدًا، وأين سيموت.
ولهذا كان السعيد من يغتنم كل فرصة للخير قبل أن تمر، ولا يؤجل الطاعة. فربما تكون العبادة التي بين يديك اليوم هي أعظم ما تملكه قبل أن يطوى كتاب العمر.




