قصة التراويح ليست نافلة فقط

في رمضان، لا تكون المعركة مع الجوع والعطش فقط… بل مع النفس.
هناك أشياء نفوّتها ونحن نظن أنها صغيرة، لكنها في الحقيقة لحظات كانت قادرة أن تغيّرنا بالكامل.
هذه حكاية شاب فوّت صلاة التراويح ليلةً بعد ليلة… حتى فوّته شيء أكبر.
القصة
اسمه ياسر.
كان في السابعة عشرة، يعيش رمضان كما يعيش أي شاب في عمره. يصوم، يفطر مع أهله، يضحك، يمسك هاتفه لساعات طويلة بعد التراويح.
كان يسمع أذان العشاء، يرى الناس تخرج نحو المسجد، ويقول في نفسه:
“سأذهب غدًا… الليلة فقط أرتاح.”
في أول ليلة من رمضان، قالها بثقة.
في الثانية، قالها بتبرير.
في الثالثة، لم يقل شيئًا… فقط تجاهل.
كان المسجد قريبًا جدًا من بيته. صوت الإمام يصل واضحًا إلى غرفته. يسمع قراءة القرآن، فيشعر بشيء يتحرك داخله… لكنه يقلب على جانبه، يفتح مقطعًا قصيرًا، ويضيع الوقت.
كان يظن أن صلاة التراويح نافلة، وأن تركها لا يعني شيئًا كبيرًا.
لكن ما لم ينتبه له، أن قلبه كان يبتعد قليلًا كل ليلة.
في إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن الحي.
ساد الظلام، وسكتت الهواتف، وانتهت الأعذار.
جلس ياسر قرب النافذة.
الهواء كان باردًا، وصوت التراويح واضحًا أكثر من أي ليلة.
كانت الآيات تتحدث عن التوبة، عن الفرص، عن الذين يؤجلون حتى يفوتهم الوقت.
شعر لأول مرة أن الكلام موجه له.
نهض مترددًا.
لبس حذاءه بسرعة، وخرج.
في الطريق، رأى أطفالًا يركضون نحو المسجد، ورجالًا كبارًا يمشون ببطء لكن بثبات. شعر بصغر نفسه أمام عزيمتهم.
دخل المسجد… وكان الإمام يقرأ في الركعة الأخيرة.
وقف في الصف الخلفي، قلبه يخفق بقوة.
لم يصلِّ إلا ركعتين مع الجماعة قبل أن تُختَم الصلاة بالوتر.
بعد السلام، جلس مكانه.
شعر بغصة.
كل تلك الليالي التي كان يستطيع أن يكون هنا… ضاعت.
اقترب منه رجل مسن، ابتسم وقال بهدوء:
“أول ليلة لك؟”
أطرق ياسر رأسه وقال:
“نعم… وتأخرت كثيرًا.”
رد الرجل بابتسامة أعمق:
“المهم أنك جئت قبل أن ينتهي الشهر.”
كانت الكلمات بسيطة، لكنها هزته.
عاد إلى البيت مختلفًا.
لم يكن الفرق في عدد الركعات… بل في القرار.
منذ تلك الليلة، لم يفت التراويح مرة واحدة.
صار يخرج قبل الأذان بدقائق.
صار يشعر أن اليوم لا يكتمل إلا هناك.
وفي ليلة السابع والعشرين، امتلأ المسجد.
كان ياسر في الصف الأول.
تذكر أول ليلة قضاها على سريره، يضحك على مقاطع عابرة.
وتذكر كم كان قريبًا من الخير… وكم كان يهرب منه بلا سبب.
فهم أخيرًا أن المشكلة لم تكن في التراويح…
بل في التأجيل.
رمضان لم يكن ينقصه.
هو الذي كان ينقص رمضان.
النهاية
بعض الفرص لا تعود، وبعضها يمنحك الله إياها مرة أخرى رحمةً بك.
صلاة التراويح ليست مجرد ركعات إضافية… بل موعد يومي مع قلبك.
إن فوّتَّ ليلة، فلا تفوّت الشهر.
وإن تأخرت، فلا تجعل التأخير عادة.
هذه القصة تذكير لنا جميعًا:
أحيانًا ما نؤجله بدافع الكسل… هو ما كان سيُنقذنا من أنفسنا.
—
من حصريات منصة “قصص”
حكايات تُكتب لتوقظ القلب قبل أن ينام.
