قصة شريحة الذاكرة

في عالمٍ أصبح فيه العقل سلعة، لم تعد المعرفة تُكتسب بالصبر، بل تُزرع كما تُزرع الشرائح الإلكترونية في الأجهزة. صار الذكاء قابلًا للبيع، وصارت العبقرية خيارًا يُضاف إلى سلة المشتريات. هذه قصة شابٍ لم يبحث عن القوة، بل عن التفوق… فوجد نفسه يقف على حافة عالمٍ يتشقق تحت قدميه.
القصة
كان اسم المشروع بسيطًا: “نقل الخبرات العصبية”. شركة تقنية ناشئة أعلنت أنها نجحت في تسجيل الأنماط العصبية لعباقرة في مجالات متعددة، وتحويلها إلى شرائح قابلة للزرع. الفكرة مغرية، والنتائج مبهرة، والأسعار مرتفعة جدًا.
آدم لم يكن عبقريًا، لكنه كان ذكيًا بما يكفي ليعرف أن العالم لا يرحم المتأخرين. اشترى شريحة مصنفة ضمن الفئة النادرة. لم يُذكر اسم صاحبها. لم يُذكر تخصصه. فقط وُصفت بأنها “أعلى نموذج تحليلي تم تسجيله”.
في غرفة بيضاء باردة، زُرعت الشريحة خلف أذنه اليسرى. لم يشعر بألم حقيقي. فقط صداع خفيف… ثم صمت.
في اليوم التالي، تغيّر كل شيء.
الأصوات أصبحت أوضح. التفاصيل أدق. الأخبار التي كان يمر عليها سريعًا صارت خرائط معقدة مليئة بالأنماط. نظر إلى تقرير اقتصادي عادي، وخلال دقائق استطاع توقع مسار ثلاث شركات خلال أسبوعين بدقة مذهلة.
ظن أن الأمر مجرد تعزيز للتركيز.
ثم بدأ يرى ما هو أبعد.
بينما كان يشاهد تقريرًا عن مشروع جسر جديد، شعر بانقباض غريب. لم يكن حدسًا عاديًا. كان يقينًا حسابيًا. نسبة تحميل خاطئة. نوع معدن غير مناسب للرطوبة. سلسلة أخطاء صغيرة.
قال لصديقه باستهزاء خفيف:
“هذا الجسر سينهار خلال أيام.”
ضحك صديقه.
بعد خمسة أيام، انهار الجسر.
تجمّد الدم في عروقه وهو يشاهد الخبر. لم يكن هناك تقرير رسمي سابق. لم تكن هناك تحذيرات معلنة.
كيف عرف؟
بدأ يسجل ملاحظاته. كل توقع يكتبه، يتحقق. انقطاع كهرباء واسع بسبب خلل متسلسل. أزمة سيولة مفاجئة في بنك متوسط. اضطراب سياسي نتيجة قرار خاطئ.
بعد تكرار التوقعات الصحيحة، بدأ آدم يسأل نفسه سؤالًا منطقيًا:
هل أنا طبيعي؟
جلس أيامًا يحلل ما يحدث داخله. لاحظ أن دماغه لا يعطيه “نتيجة جاهزة”، بل يعرض أمامه احتمالات مع نسب مئوية دقيقة جدًا. كأنه يرى لوحة بيانات ضخمة تختصر ملايين المعطيات.
عندما توقع انهيار الجسر، لم يكن يعلم الغيب.
كان قد التقط بعينه تفاصيل صغيرة في تقرير هندسي، ونوع تربة، ونسبة رطوبة، وربطها بسرعة لا يستطيعها عقل عادي.
المشكلة لم تكن في الحسابات.
المشكلة بدأت عندما نشر توقعاته.
كل مرة كان يكتب فيها تحليلًا على الإنترنت، كانت المؤسسات تتوتر، المستثمرون ينسحبون، المسؤولون يتخذون قرارات استعجالية.
الناس يتأثرون بالكلمات.
إنها دائرة تأثير.
بحث في أرشيف الشركة حتى وجد الاسم الحقيقي للمشروع:
“محاكاة الأنظمة المعقدة”.
صاحب الذاكرة كان عالمًا في نمذجة المجتمعات.
طور نموذجًا رياضيًا يحاكي الاقتصاد، السياسة، الإعلام، وحتى ردود الفعل الجماعية.
الشريحة لم تنقل له ذكريات عشوائية،
بل نقلت له طريقة تفكير العباقرة.
مع مرور الأسابيع، لم تتوقف قدرته عن التصاعد.
لم يعد يرى الاحتمالات فقط، بل صار دماغه يعمل بسرعة غير طبيعية حتى أثناء النوم.
أرقام، معادلات، ترابطات لا تنتهي.
لم يعد يستطيع إيقاف التحليل.
بدأ يشعر بصداع حاد خلف عينه اليسرى.
رعشة خفيفة في يده.
لحظات تشوش مفاجئة.
ظنها إرهاقًا.
حتى سقط أرضًا ذات مساء.
في المستشفى، خضع لفحوصات عاجلة.
أظهرت الصور شيئًا خطيرًا:
نشاط كهربائي مفرط في الفص الجبهي، وتمدد غير طبيعي في بعض الأوعية الدقيقة.
الطبيب نظر إليه بجدية وقال:
“دماغك يعمل فوق طاقته الطبيعية بكثير. إذا استمر هذا المعدل من النشاط، هناك احتمال كبير لجلطة دماغية خلال وقت قصير.”
لم يكن الأمر أخلاقيًا بعد الآن.
لم يعد السؤال ماذا يفعل بالعالم.
بل ماذا سيفعل بحياته.
أخبره الطبيب المتخصص في الشرائح العصبية أن دماغه بدأ يعيد تشكيل نفسه حول النظام المزروع.
الشريحة لا تضيف معلومات فقط، بل ترفع سرعة المعالجة العصبية إلى حد غير مستدام بيولوجيًا.
بكلمات أبسط:
هو يحترق من الداخل.
إذا لم تُزل الشريحة خلال أسابيع،
فقد يتعرض لجلطة قد تتركه مشلولًا… أو تنهي حياته.
لكن الإزالة ليست بسيطة.
دماغه تعوّد على المستوى الجديد من الأداء.
العودة المفاجئة قد تسبب انهيارًا إدراكيًا حادًا، فقدانًا في التركيز، وربما فقدان جزء من الذاكرة المكتسبة.
كان عليه أن يختار:
ذكاء خارق يقتله ببطء.
أم حياة طبيعية بعقل عادي.
في الليلة التي سبقت العملية، جلس وحده في شقته المظلمة.
لأول مرة منذ زرع الشريحة، حاول ألا يحلل شيئًا.
أغلق الحاسوب.
أغلق الأخبار.
أغمض عينيه.
أدرك أن الذكاء ليس قيمة مطلقة.
وأن القدرة على الحساب لا تعني القدرة على التحمل.
في صباح اليوم التالي، دخل غرفة العمليات بإرادته الكاملة.
استغرقت الجراحة ساعات.
عندما استيقظ، كان الصمت مختلفًا.
لا أرقام تتدفق.
لا أنماط تقفز أمام عينيه.
فقط هدوء.
شعر ببطء أفكاره… لكنه شعر بشيء آخر لم يشعر به منذ زمن:
راحة.
النهاية




