قصص خيال علمي

قصة حين أصبحت الحقيقة مرضًا

في عالمٍ طالما تغنّى بالصدق، لم يكن أحد يتخيّل أن يأتي يومٌ تصبح فيه الحقيقة عبئًا لا يُحتمل. كانوا يعتقدون أن الكذب هو أصل كل شر، وأن الصدق وحده كفيل بإصلاح كل شيء… حتى ظهر ذلك الفيروس، الذي لم يقتل أحدًا… لكنه جرّد الجميع من أقنعة كانوا يظنون أنها تحميهم.

 

 

 

 

القصة

 

 

 

بقلم عباس

 

 

 

 

 

 

بدأ كل شيء بهدوء.

لم يكن هناك انفجار، ولا إعلان رسمي، ولا حتى تحذير واضح. مجرد خبر عابر على الشاشات: “حالات غريبة من فقدان القدرة على الكذب تم تسجيلها في عدة مدن.”

ضحك الناس.

ظنّوه مرضًا نفسيًا، أو ربما تجربة اجتماعية فاشلة. لكن خلال أيام، بدأ شيء غريب يحدث… شيئًا لم يكن بالإمكان تجاهله.

في أحد المطاعم، سأل رجل زوجته:
“هل الطعام جيد؟”
نظرت إليه للحظة، ثم قالت بلا تردد:
“لا، طعمه سيء، وأنا لا أحب الجلوس معك أصلًا.”

ساد الصمت.

لم يكن في صوتها قسوة… بل كان صادقًا بشكل مرعب.

وفي مكتبٍ آخر، وقف موظف أمام مديره وقال:
“أنا أكره هذا العمل، وأبقى فقط لأنني خائف من الفشل.”

لم يستطع التراجع. حاول أن يبتسم، أن يغيّر كلامه، أن يخفف من حدته… لكنه لم يستطع. الكلمات خرجت كما هي،  بلا رحمة.

انتشر الذعر ببطء.

الأطباء لم يجدوا تفسيرًا. الفحوصات طبيعية. العقول سليمة. لكن شيئًا واحدًا تغيّر:
الإنسان لم يعد قادرًا على الكذب.

أطلقوا عليه اسم: فيروس الحقيقة.

 

كان “سليم” يتابع كل هذا بصمت.

لم يُصب بعد. كان يرى العالم من حوله ينهار… علاقات تُدمر، صداقات تنتهي، أسر تتفكك في لحظات.

أمه قالت له فجأة:
“كنت أتمنى لو لم أنجبك في تلك الظروف.”

لم تبكِ بعد قولها. فقط جلست، وكأنها قالت شيئًا عاديًا.

صديقه المقرّب قال له:
“أنا لم أكن صديقك يومًا، كنت فقط أحتاجك.”

ضحك بعدها… لكن الضحكة كانت فارغة.

سليم بدأ يخاف… ليس من المرض، بل من الحقيقة نفسها.

 

بعد أسبوع، استيقظ على شعور غريب.

نظر إلى نفسه في المرآة وقال:
“أنا خائف.”

تجمّد.

لم يحاول إخفاءها. لم يستطع.

لقد أُصيب.

خرج إلى الشارع، فوجد الناس يتحدثون بشكل غريب… بلا مجاملات، بلا أقنعة، بلا أي محاولة لتزييف الواقع.

“أنا أكرهك.”
“أنا غيور منك.”
“أنا فاشل.”
“أنا أكذب دائمًا لأشعر بالأمان.”

العالم أصبح صريحًا… أكثر مما يجب.

 

حاولت الحكومات السيطرة.
أُغلقت القنوات.
مُنع البث المباشر.
تم حظر الاجتماعات العامة.

لكن المشكلة لم تكن في الكلمات… بل في العقول.

لم يعد هناك شيء يُخفى.

في أحد المؤتمرات، وقف رئيس دولة وقال أمام الجميع:
“نحن لا نعرف ماذا نفعل… ونحن خائفون.”

انتهى كل شيء بعدها.

 

سليم بدأ يلاحظ شيئًا أخطر.

لم تعد الحقيقة مجرد كلمات… بل تحولت إلى أفعال.

رجل ترك عائلته لأنه “لا يحبهم”.
شخص سلّم نفسه لأنه “مذنب فعلًا”.
آخرون انهاروا لأنهم أدركوا من هم حقًا لأول مرة.

لكن الأسوأ…
أن بعض الناس لم يحتملوا أنفسهم.

 

 

 

النهاية

 

 

 

لم ينتهِ الفيروس.
لم يتم إيجاد علاج.
بل… تأقلم العالم.

تعلم الناس أن الصدق وحده لا يكفي… وأن الرحمة أحيانًا أهم من الحقيقة.
وأن بعض الأكاذيب… لم تكن خداعًا، بل كانت وسيلة للبقاء.

وفي زمنٍ أصبح فيه الكذب مستحيلًا…
اكتشف البشر أن أخطر ما يمكن أن يواجهوه… ليس الآخرين،
بل أنفسهم، عندما تُكشف بلا أي ستر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.