قصة القضية رقم صفر

ليس كل مكان مهجور فارغًا. بعض الأماكن تُغلق لأن ما بداخلها لم يُحسم بعد. هناك مبانٍ لا تُهجر، بل تبقى صامتة تنتظر الشخص الذي سيدخلها ليكمل ما فشل غيره في فهمه. هذه ليست قصة عن جريمة، بل عن المكان الذي يحتفظ بها عندما يختفي الجميع.
القصة
لم يكن فادي يبحث عن شيء محدد حين دخل ذلك الشارع الضيق. كان هاربًا من ضجيج رأسه أكثر من أي شيء آخر. في نهاية الطريق، وقف المبنى كأنه نُسي عمدًا. مركز شرطة قديم، لافتته باهتة، زجاجه مغبر، وبابه الأمامي نصف مفتوح بطريقة لا تطمئن ولا تُخيف، بل تدعو للدخول.
حين تجاوز العتبة، شعر بأن الهواء مختلف. أثقل. أبرد. رائحة ورق قديم ومعدن صدئ امتزجت بشيء لا يستطيع تحديده. الردهة كانت مرتبة بشكل غريب، المكاتب في أماكنها، الكراسي مصطفة، وكأن الضباط خرجوا للحظة ولم يعودوا.
لاحظ الساعة المعلقة على الجدار. عقاربها متوقفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
تقدم ببطء، وصوت خطواته كان واضحًا أكثر مما يجب، كأن المكان خالٍ تمامًا إلا منه. في غرفة البلاغات، رأى الهاتف فوق المكتب. كان مرفوع السماعة، بلا أي سلك متصل به. فجأة، رن.
تجمد فادي في مكانه. لم يمد يده. الرنين استمر لثوانٍ ثم توقف وحده، وكأن أحدًا في الجهة الأخرى أدرك أنه لا يريد الإجابة.
على المكتب نفسه، كان هناك جهاز كمبيوتر قديم يعمل. الشاشة مضاءة بلون شاحب. لم يكن هناك إلا ملف واحد مفتوح. عنوانه كان بسيطًا ومقلقًا: بلاغات لم تُغلق.
بدأ يقرأ. أسماء كثيرة. تواريخ قديمة وحديثة. أوصاف لأشخاص دخلوا هذا المركز بدافع الفضول أو الخطأ أو الهروب. جميع البلاغات انتهت بنفس الجملة. لم يخرج.
البلاغ الأخير كان بتاريخ اليوم. الوصف كان دقيقًا بشكل غير مريح. شاب يرتدي سترة داكنة، يتحرك بحذر، يتوقف كثيرًا، يراقب المكان كأنه يشعر أنه مراقَب. كان يقرأ عن نفسه.
تراجع خطوة إلى الخلف فاصطدم بباب حديدي. باب الزنزانة الخلفية. كان متأكدًا أنه كان مفتوحًا قبل قليل. الآن كان مغلقًا بإحكام.
سمع صوتًا خافتًا يأتي من غرفة التحقيق. نقرة بطيئة، منتظمة. آلة كاتبة تعمل وحدها. اقترب بحذر، فرأى أوراقًا جديدة على الطاولة، حبرها لم يجف بعد. في كل صفحة، نفس السؤال مكتوب مرارًا: لماذا دخلت؟
حاول أن يجد إجابة، لكن رأسه كان فارغًا. شعر أن المكان لا ينتظر تفسيرًا، بل اعترافًا.
عاد مسرعًا نحو المدخل. الباب الأمامي كان مغلقًا الآن. اللافتة على الزجاج تغيرت. لم تعد تحمل كلمة مهجور. صارت تقول: مفتوح.
رن الهاتف مرة أخرى. هذه المرة رد، رغم أن يده كانت ترتجف. سمع صمتًا قصيرًا، ثم سمع صوته هو، متعبًا، خائفًا، يبلغ عن دخوله مركز شرطة مهجور.
أغلق السماعة، لكن الصوت لم يتوقف. صار يخرج من الجدران، من الأرض، من السقف. كأن المبنى كله يكرر البلاغ.
فتح الزنزانة الأخيرة. في الداخل وجد دفاتر قديمة تعود لضباط عملوا هنا. كل واحد كتب ملاحظاته بطريقته، لكن المعنى كان واحدًا. المركز لا يحل القضايا، هو يحتفظ بها. ومن يدخل إليه يصبح جزءًا منها.
في آخر دفتر، كانت هناك صفحة جديدة. اسمه مكتوب بوضوح. فادي. وتحت الاسم جملة قصيرة، مكتوبة بحبر داكن:
تم استلام البلاغ.
انطفأت الشاشة. توقفت الأصوات. وبقي الصمت، ثقيلًا، ثابتًا، كأنه أغلق الباب إلى الأبد.
النهاية
تُهدم بعض المباني لأن أساساتها ضعفت، لكن هناك مبانٍ تُترك واقفة لأن هدمها سيُخرج ما بداخلها. مركز الشرطة ما زال هناك، لا أحد يدخله، ولا أحد يتذكر من اختفى داخله. فالقضايا المغلقة لا تحتاج شهودًا، بل تحتاج شخصًا واحدًا فقط ليُكمل الملف.






