قصص رعب

قصة العودة إلى بيت الجد ج1

لم تكن عودتنا إلى قرية جدي رحلة عائلية عادية، ولا ذكرى يمكن تجاوزها مع الوقت.
ما حدث هناك لم يبقَ في الماضي، بل ظل يلاحقني حتى اليوم، كأنه لم ينتهِ بعد.

أكتب هذه الصفحات بعد عامين، لا لأروي قصة رعب، بل لأحكي ما رأيته بعيني، وما عشته وأنا في السادسة عشرة من عمري. أكتب لأن الصمت لم يعد ممكنا، ولأن بعض الأماكن لا تكتفي بما تأخذه منك، بل تجبرك على تذكره إلى الأبد.

هذه ليست حكاية عن بيت قديم فقط، ولا عن جد غامض، بل عن خطأ واحد كلفنا أكثر مما نحتمل.
عن حوش في قرية بعيدة، وعن شيء عاد إلينا، وكان يجب ألا يعود.

اسمي عزيز،
وما ستقرؤونه حدث فعلا…
أو هكذا أقنعت نفسي طوال عامين.

القصة

 

 

 

 

لم أكتب هذه القصة لأنني أردت ذلك.
كتبتها لأنني لم أعد أحتمل حملها وحدي.

اسمي عزيز. عمري الآن ثمانية عشر عاما. وما سأرويه حدث قبل عامين، حين كنت في السادسة عشرة، في القرية التي لم أحبها يوما، وفي الحوش الذي غيّر كل شيء.

كنا نعيش في المدينة. حياة عادية، ضوضاء، مدارس، شوارع لا تنام. وفجأة قرر أبي أن نزور قرية جدي بعد غياب طويل. قال إن الوقت حان، وإن البيت ما زال قائما، وإن الجد ينتظرنا.

لم يعجبني الأمر منذ البداية. لم أكن أكره جدي، لكن القرية كانت تترك في صدري ضيقا لا أفهمه. أمي كانت مترددة أيضا، أما أختي الصغيرة فكانت متحمسة. كانت ترى الأمر مغامرة. كانت دائما ترى الأشياء ببساطة.

وصلنا مع الغروب.
الطريق الترابي، الأشجار المتناثرة، الصمت الثقيل.
ثم ظهر البيت.

لم يكن مهجورا، لكنه بدا كذلك. جدرانه العالية، بابه الخشبي العتيق، والنوافذ التي تشبه عيونا مغلقة. شعرت أن المكان يراقبنا قبل أن ندخله.

فتح الباب قبل أن نطرقه.

كان جدي واقفا هناك.

نفس الطول. نفس الجلباب. نفس العصا الخشبية.
ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.

احتضن أبي، صافح أمي، وربت على رأس أختي.
حين جاء دوري، نظر إلي لحظة أطول من اللازم.

قال اسمي، لكنه نطقه كأنه يتذكره للتو.

دخلنا البيت.
الرائحة كانت غريبة. ليست رائحة عفن ولا رائحة تراب. رائحة قديمة، كأن الزمن نفسه متخزن في الجدران.

أختي ركضت نحو الساحة الداخلية. كانت تضحك. صوتها ارتد بين الجدران ثم اختفى بسرعة. لم يعجبني ذلك. كأن الحوش ابتلع الصوت.

جلسنا في الغرفة الكبيرة. جدي تحدث عن أشياء عامة. الطقس، الزرع، الناس. لكن شيئا ما كان ناقصا. كان يتجنب الحديث عن الماضي. عن أبي حين كان صغيرا. عن أشياء كنت أعرف أنه يذكرها دائما.

سألته عن شجرة التين في الخلف.
نظر إلي باستغراب.

قال إنه لا يتذكرها.

تجمدت.
تلك الشجرة كانت أول شيء يحدثنا عنه كل مرة. كان يعتبرها جزءا من روحه.

ضحك أبي وغير الموضوع.
لكنني لم أضحك.

في تلك الليلة، لم أنم.
سمعت خطوات في الساحة.
ثم صوتا خافتا يشبه الهمس.
ثم سكونا كاملا.

نهضت ونظرت من النافذة.
رأيت جدي واقفا قرب البئر، يحدق في الظلام.

لم يتحرك.

في الصباح، سألته إن كان خرج ليلا.
قال إنه لم يغادر غرفته.

قالها بهدوء.
وبثقة.

في تلك اللحظة فقط، فهمت شيئا واحدا.
هذا البيت لا يحب الأسئلة.
ومن يطرحها، سيدفع الثمن.

ولم أكن أعلم أن أختي…
ستكون أول من يدفعه.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.