قصة العودة الى بيت الجد ج3

في البداية، أقنعت نفسي أن المشكلة فيَّ أنا. أن الخوف جعلني أفسر كل شيء بطريقة خاطئة، وأن ما أراه مجرد أوهام في مكان لا أعرفه جيدا. لكن حين بدأت أختي تتغير، لم يعد الإنكار ممكنا.
هذا الجزء هو اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينكشف، ليس دفعة واحدة، بل عبر دلائل صغيرة لا يمكن تجاهلها. أشياء محفوظة في أماكن لا يجب أن تُفتح، وذكريات لا يريد الحوش أن يعترف بها.
ما حدث هنا لم يكن رعبا مباشرا، بل فهما بطيئا لحقيقة كانت تراقبنا منذ لحظة دخولنا.
وحين فهمتها… كان الأوان قد تأخر.
القصة
بدأت أشعر أنني الوحيد الذي يرى الخلل.
الأيام في القرية لم تكن تمر، كانت تتكرر. نفس الصباح، نفس الصمت، نفس الجلسة في الغرفة الكبيرة، والجد في مكانه كأنه قطعة من الحائط. أحيانا أنسى أنه موجود، ثم أرفع رأسي فأجده ينظر إلينا، وكأنه لم يرمش منذ ساعات.
أختي لم تعد كما كانت.
صارت أكثر هدوءا، أقل ضحكا. تجلس وحدها في الساحة، ترسم خطوطا على التراب بإصبعها، وتحدق في البئر طويلا. حين أسألها عما تفعل، تقول إن البيت يتكلم معها.
تقولها ببساطة. بلا خوف.
في ذلك اليوم، دخلت الغرفة الخلفية صدفة. الغرفة التي قال الجد إنها مخزن. لم تكن مقفلة، لكن بابها كان ثقيلا، كأن أحدا لا يريد فتحه.
في الداخل، وجدت صندوقا خشبيا قديما.
لم أكن أنوي فتحه، لكن اسمي كان مكتوبا عليه. بخط غير متقن. خط طفل.
تجمدت.
فتحت الصندوق ببطء.
في داخله، كانت هناك صور قديمة. أبي وهو صغير. أمي شابة. جدي واقف قرب نفس البئر. نفس المكان. نفس الحوش.
ثم صورة أخيرة.
طفل لم أعرفه.
يقف قرب جدي.
ملامحه خائفة.
في خلفية الصورة، كانت هناك فتاة صغيرة. تشبه أختي كثيرا.
سمعت صوت خطوات. أغلقت الصندوق بسرعة وخرجت.
الجد كان يقف في الممر.
لم يسأل ماذا أفعل.
لم يغضب.
ابتسم فقط.
قال إن بعض الأشياء لا تحب أن تُفتح.
قال إن الحوش يحتفظ بما يحبه.
في المساء، سمعت أختي تتكلم وحدها. اقتربت من غرفتها. كانت تجلس قرب النافذة، تهمس.
سألتها مع من تتكلم.
قالت: مع جدي.
قلت لها إن الجد في الغرفة الأخرى.
نظرت إلي باستغراب.
قالت: لا، جدي هنا.
وأشارت إلى الزاوية المظلمة من الغرفة.
لم أرَ شيئا.
لكن الهواء هناك كان باردا.
ذهبت إلى أبي. أخبرته أن شيئا ليس طبيعيا. عن الصور، عن الصندوق، عن أختي. استمع إلي بصبر، ثم قال إن الخوف يجعلنا نرى أشياء غير موجودة.
قال إن جدي تعب في السنوات الأخيرة.
قال إن البيوت القديمة تخيف الأطفال.
لكن أختي لم تكن خائفة.
في تلك الليلة، استيقظت على صوت البئر.
لم يكن صوت ماء.
كان صوت شيء يُسحب.
خرجت بحذر.
رأيت الجد واقفا هناك، وأختي قربه.
كانت تمسك بيده.
صرخت باسمها.
التفتت إلي.
ابتسمت.
قالت إن البيت اختارها،
وإن الجد وعدها ألا تكون وحدها بعد الآن.
مدّ الجد يده نحوي.
قال إن دوري لم يحن بعد.
حين عدت إلى غرفتي، أدركت الحقيقة أخيرا.
هذا لم يكن جدنا.





