قصص رعب

قصة العودة الى بيت الجد ج4

بعد تلك الليالي، لم يعد الخوف مجرد إحساس عابر، بل صار يقينا يرافقني في كل خطوة. لم يعد الأمر يتعلق ببيت قديم أو بجد تغيرت ملامحه، بل بشيء أكبر، شيء بدأ يطالب بحقه في البقاء.

في هذا الجزء، لم تعد العلامات خفية، ولم يعد الإنكار ممكنا. كل ما حاولت تجاهله عاد إليّ بصورة أوضح وأقسى.

القصة

 

 

 

لم أعد أميز بين الليل والنهار.

كل شيء صار ثقيلا. الهواء، الجدران، حتى أصواتنا. أختي لم تعد تنام في غرفتها. كانت تخرج بعد منتصف الليل، تمشي نحو الساحة كأنها تتبع نداء لا نسمعه.

في إحدى الليالي، قررت أن أسبقها.

اختبأت قرب الباب وانتظرت.
كما توقعت، فتحته ببطء، دون أن تُحدث صوتا. كانت تمشي بثبات، لا تلتفت، لا تتردد.

تبعتها.

وصلت إلى البئر.

لم يكن هناك أحد.

لكن الحبل كان يتحرك، رغم أن الهواء كان ساكنا تماما.

وقفت أختي أمام البئر، تنظر إلى داخله. لم تكن خائفة. كانت كأنها تستمع.

اقتربت منها بحذر.
سمعت همسا خافتا، يأتي من العمق. لم أميز الكلمات، لكنني عرفت أنه ليس صوت ماء.

مدّت أختي يدها نحو الحافة الحجرية.

صرخت باسمها.
التفتت إلي ببطء، وعيناها تلمعان بشيء لم أعرفه.

قالت بصوت منخفض:
إنه لا يريد أن يؤذينا… هو فقط لا يريد أن يبقى وحده.

لم أسألها من تقصد.

أمسكت بيدها وسحبتها نحوي. كانت باردة، أبرد من ليل القرية كله.

في تلك اللحظة، انقطع الهمس فجأة.
وتوقف الحبل عن الحركة.

كأن البئر أدرك أنني أفسدت شيئا.

جذبتها بقوة إلى الداخل. أغلقت باب الغرفة علينا. كانت تبكي الآن. أول مرة أراها تبكي منذ وصولنا.

في اليوم التالي، قررت أن أواجه أبي بالحقيقة كلها. عن الصور، عن الصندوق، عن حديث أختي، عن البئر. غضب مني. قال إنني أتوهم، وإنني أخيف أختي بأفكاري.

قال إن جدي مريض، وإن احترامه واجب.

لكن في تلك الليلة، حدث ما لم أستطع منعه.

استيقظت على صرخة.

ركضت إلى الساحة.
الباب الخلفي كان مفتوحا.

أبي وأمي خرجا خلفي.

البئر كان ساكنا.
هادئا.
أهدأ من أي وقت مضى.

وأختي… لم تكن هناك.

صرخت باسمها حتى شعرت أن صوتي يتمزق. بحثنا في كل زاوية، في كل غرفة، في الحقول المحيطة. لم نجد أثرا.

عدت إلى الساحة منهارا.
كان الجد جالسا في مكانه المعتاد، كأن شيئا لم يحدث.

نظرت إليه.
لأول مرة، لم أرَ وجه جدي.

رأيت شيئا يرتدي وجهه.

قال لي بهدوء:
البيت أغلق بابه.

بعد ساعات من البحث، سمعنا صوت ارتطام خافت من جهة البئر.

ركضنا جميعا.

كانت أختي ملقاة قرب حافته، جسدها ساكن تماما.
يبدو أنها سقطت من الحافة الحجرية القديمة. لم يكن هناك دم كثير، فقط صمت ثقيل يحيط بها، كأن المكان ابتلع كل صوت.

أبي انحنى بجانبها وهو ينادي اسمها بصوت مرتجف.
أمي سقطت على ركبتيها.

وقفت أنا في مكاني.

لم أستطع الاقتراب.

لم أستطع إلا أن أرفع رأسي ببطء نحو الحوش.

كان الباب الخشبي مفتوحا قليلا.
وفي الظل الداخلي، خُيّل إلي أن أحدا يراقبنا.

أمي انهارت. أبي وقف صامتا، كأن عقله رفض تصديق ما يرى.

أما أنا، فكنت أنظر إلى الزاوية المظلمة من الغرفة.

كان هناك ظل.

وحين رمشت، اختفى.

في تلك الليلة، غادرنا البيت.

لكن البيت… لم يغادرنا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، النسخ غير متاح. حقوق المحتوى محفوظة لمنصة قصص.

إغلاق

تنبيه للزائر الكريم

عند تفعيل حاجب الإعلانات، لن تصلك إشعارات القصص الجديدة، كما أن ذلك يؤثر سلبًا على بعض وظائف الموقع ويُربك منظومة عمله.
نحن نعتمد على الإعلانات والإشعارات لضمان استمرارية المنصة وتقديم المحتوى بشكل منتظم ومجاني.
نرجو منك تعطيل حاجب الإعلانات لهذا الموقع فقط، دعمك يحدث فرقًا حقيقيًا ويساعدنا على الاستمرار.