قصة المحقق الذي لا يحل أي قضية
المقدمة: بداية الفشل العظيم
في مدينة تُدعى «ضحكة»، عاش رجل يُدعى سامي، كان يحلم منذ طفولته بأن يصبح أعظم محقق في العالم. كان يشاهد أفلام الجريمة باستمرار، ويحمل عدسة مكبرة في جيبه، ويرتدي معطفًا طويلًا حتى في أشد أيام الصيف حرارة.
كانت هناك مشكلة صغيرة فقط: سامي لم يكن ذكيًا بما يكفي ليحل حتى لغز اختفاء جوربه!
في أحد الأيام، اختفى حذاؤه من أمام باب منزله، فاستدعى الشرطة وأخبرهم أن عصابة دولية متخصصة في سرقة الأحذية قد استهدفته. وبعد ساعتين من التحقيقات، اكتشف أن الحذاء كان في قدمه الأخرى طوال الوقت!
لكن ذلك لم يمنعه من تحقيق حلمه.
استأجر غرفة صغيرة فوق متجر لبيع المخللات، وعلّق على بابها لافتة ضخمة كُتب عليها:
«مكتب سامي للتحقيقات الجنائية — لا توجد جريمة غامضة أمام عبقري مثلي!»
وتحت اللافتة، كتب بخط أصغر: «الدفع مقدمًا، والنتائج غير مضمونة».
في اليوم الأول، لم يأتِ أحد. وفي اليوم الثاني، دخل رجل يبحث عن دورة المياه، فاستقبله سامي بحماس وأجبره على دفع رسوم استشارة قبل أن يسمح له بالخروج.
أما في اليوم الثالث، فقد وصلته أول قضية حقيقية!
الفصل الأول: جريمة الشطيرة المفقودة
دخل إلى المكتب رجل بدين يُدعى أبو فؤاد، وكان غاضبًا إلى درجة أن شاربه يرتجف.
قال وهو يضرب المكتب بيده:
— أيها المحقق، لقد سُرقت شطيرتي!
رفع سامي حاجبيه، ثم ارتدى قبعته ووضع العدسة المكبرة أمام عينه اليمنى.
— اهدأ يا سيدي. هل لديك أعداء؟
— إنها شطيرة جبن!
— هذا ما يقوله الجميع في البداية. أخبرني، هل كان الجبن يحمل أسرارًا خطيرة؟
حدّق أبو فؤاد فيه طويلًا، ثم قال:
— يا رجل، كنت جائعًا، ووضعت الشطيرة على مكتبي، وعندما عدت لم أجدها!
نهض سامي فجأة، وبدأ يتفحص الغرفة كما لو أنه يبحث عن قاتل متسلسل.
انحنى تحت المكتب، وفتح الأدراج، وشمّ الكرسي، بل إنه وضع العدسة المكبرة أمام حذاء أبي فؤاد.
قال بجدية تامة:
— لدي ثلاثة مشتبه بهم: أنت، وأنا، والكرسي.
صرخ أبو فؤاد:
— وما علاقة الكرسي بالموضوع؟!
— لا تستبعد أحدًا يا سيدي. الكراسي تسمع كل شيء ولا تتكلم أبدًا!
بعد نصف ساعة من التحقيق، أعلن سامي أنه توصل إلى استنتاج خطير.
— السارق شخص يعرفك جيدًا!
— وكيف عرفت ذلك؟
— لأنه يعرف أين تضع شطيرتك!
أُعجب أبو فؤاد بالتحليل رغم أنه لم يفهمه، فدفع لسامي أجره وغادر المكتب.
وما إن أغلق الباب حتى شعر سامي بشيء غريب في جيب معطفه. أدخل يده، فأخرج شطيرة نصف مأكولة.
تجمّد في مكانه.
ثم تمتم:
— يا إلهي! لقد قبضت على نفسي!
وبدلًا من إعادة الشطيرة إلى صاحبها، كتب تقريرًا رسميًا جاء فيه:
«المتهم شديد الخطورة، ويعاني من جوع مزمن، وقد تمكن من إخفاء الأدلة داخل ملابسه».
ثم وضع التقرير في درج مكتبه واحتفل بأول قضية حلّها!
الفصل الثاني: المحقق الذي اتهم الجميع
انتشر خبر المحقق سامي في الحي، لكن ليس بسبب عبقريته، بل لأن أبا فؤاد أخبر الناس أن المحقق أخذ أجره ولم يُعد الشطيرة.
ومع ذلك، وصلت إلى سامي قضية جديدة.
هذه المرة، اختفى مبلغ مالي من متجر مجوهرات. استقبله صاحب المتجر، السيد مراد، وأخبره أن اللص سرق الخزنة أثناء الليل.
قال مراد:
— أريدك أن تعرف من فعل ذلك.
ضرب سامي الطاولة بقبضته وقال:
— لا تقلق! لن ينجو المجرم من عدالتي!
ثم أخرج دفتره وبدأ بكتابة أسماء المشتبه بهم:
1. صاحب المتجر.
2. الموظف.
3. عامل النظافة.
4. رجل يبيع الذرة أمام المحل.
5. قط كان يمر بجانب النافذة.
اعترض مراد:
— لماذا وضعت القط في القائمة؟!
أجابه سامي:
— لأنه لم يقدم إفادته بعد!
بدأ سامي استجواب الموظف.
— أين كنت ليلة السرقة؟
— في منزلي.
— هل لديك دليل؟
— نعم، زوجتي وأطفالي كانوا معي.
دوّن سامي ملاحظة في دفتره، ثم قال:
— هذا مريب للغاية. عائلتك كلها متواطئة!
بعد ذلك، استجوب عامل النظافة.
— هل رأيت شيئًا غريبًا؟
— لا، سيدي.
— إذن أنت تخفي شيئًا!
— لكنني لم أقل شيئًا!
— وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة!
استمر التحقيق حتى المساء، وعندما شعر سامي بالتعب، قرر أن يأخذ استراحة لتناول القهوة.
وبينما كان جالسًا في المقهى المقابل للمتجر، لمح رجلًا يخرج من نافذة خلفية وهو يحمل حقيبة.
قفز سامي من مكانه وصرخ:
— توقف أيها المجرم!
ركض الرجل، وركض سامي خلفه، لكن بعد عشر خطوات فقط تعثّر بحاوية قمامة وسقط داخلها.
نهض وهو يلوّح بقبعته:
— لا تقلقوا! هذه خطة سرية لإرباك المجرم!
ولحسن حظه، كان الرجل قد سقط أثناء هروبه، فتمكنت الشرطة من القبض عليه. واتضح أنه اللص الحقيقي، وكان يحمل المجوهرات المسروقة.
أخذ الضابط المساعد سامي جانبًا وسأله:
— كيف عرفت أنه اللص؟
نظر سامي إليه بفخر وقال:
— من طريقة جريه!
— وما الذي لاحظته؟
— كان يجري بسرعة شخص يعرف أنه سرق شيئًا!
لم يجرؤ الضابط على إخباره بأن الرجل كان يحمل حقيبة المجوهرات أمام الجميع.
وهكذا، نُشرت صورة سامي في الصحيفة المحلية تحت عنوان: «محقق شجاع يساهم في القبض على لص المجوهرات».
قرأ سامي الخبر، وعلّقه فوق مكتبه، ثم أضاف إلى لافتته عبارة جديدة:
«خبير في الجرائم الكبرى والصغرى، بما فيها جرائم القطط والكراسي».
الفصل الثالث: القضية التي غيّرت كل شيء
بعد نجاحه الغريب في قضية المجوهرات، أصبح مكتب سامي مزدحمًا بالزبائن. بدأ الناس يأتون إليه لحل مشكلاتهم، وكان هو يستقبل كل قضية بثقة لا تتناسب إطلاقًا مع قدراته.
لكن ذات صباح، دخل رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء، ووضع ظرفًا على المكتب.
قال الرجل:
— أريد منك التحقيق في سلسلة سرقات غامضة تحدث في المدينة. الشرطة عاجزة عن العثور على الجناة.
فتح سامي الظرف، فوجد صورًا لمتاجر ومخازن تعرضت للسرقة خلال الأسابيع الماضية.
شعر بقشعريرة في ظهره.
لم تكن القضية مجرد سرقة شطيرة أو حقيبة مجوهرات. كانت هناك عصابة منظمة، تسرق من أماكن مختلفة دون أن تترك أدلة واضحة.
سأل سامي:
— ولماذا اخترتني أنا تحديدًا؟
أجابه الرجل:
— لأنك الشخص الوحيد الذي لا يتوقع أحد أن يكون محققًا حقيقيًا.
ابتسم سامي ابتسامة واسعة.
— أخيرًا! لقد اكتشف أحدهم موهبتي الخفية!
لكن الرجل غادر قبل أن يشرح له أي شيء آخر.
بدأ سامي التحقيق بطريقة غريبة كعادته. زار المتاجر المسروقة، وسأل أصحابها الأسئلة نفسها، ثم كتب ملاحظاته على أوراق متناثرة.
وفي أحد المخازن، لمح كيسًا من الطحين ملقى قرب الباب الخلفي. انحنى ليفحصه، لكنه عطس بشدة، فتطاير الطحين على وجهه بالكامل.
وعندما حاول تنظيف نفسه، اصطدم برف معدني، فسقطت عليه عدة صناديق.
صرخ من تحتها:
— لقد وجدت دليلًا!
هرع الحارس إليه وساعده على النهوض.
— أي دليل؟!
رفع سامي كيس الطحين بفخر.
— هذا الكيس! لا بد أن اللصوص تركوه هنا!
ضحك الحارس وقال:
— يا سيدي، نحن نبيع الطحين في هذا المخزن!
شعر سامي بالإحراج، لكنه لم يستسلم. وبينما كان يغادر، لاحظ أن آثار أقدامه الملطخة بالطحين تمتد إلى الباب الخلفي، ثم تتوقف فجأة عند الطريق.
توقف عن الحركة.
عاد إلى المخزن، ونظر إلى الأرض مرة أخرى.
كانت هناك آثار عجلات صغيرة بجوار آثار الأقدام، كأن شخصًا نقل صناديق ثقيلة باستخدام عربة، ثم غادر بها عبر الطريق الخلفي.
للمرة الأولى، لم يكن سامي يخمّن. لقد وجد شيئًا يستحق التحقيق فعلًا.
تبع الآثار حتى وصل إلى مستودع مهجور على أطراف المدينة، لكنه لم يدخل مباشرة. اختبأ خلف شجرة وراقب المكان، ثم اتصل بالشرطة وأخبرهم بما وجده.
بعد دقائق، وصلت دورية الشرطة، واقتحمت المستودع، لتجد أفراد العصابة وهم يجهزون شحنة جديدة من البضائع المسروقة.
نجحت العملية، وأُلقي القبض على العصابة كاملة.
وقف قائد الشرطة أمام الصحفيين وقال:
— بفضل ملاحظة المحقق سامي، تمكنا من تفكيك أخطر عصابة سرقة في المدينة!
كان سامي يقف بجواره، يحاول أن يبدو جادًا، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام.
سأله أحد الصحفيين:
— ما سر نجاحك في هذه القضية؟
فكر سامي قليلًا، ثم قال:
— الطحين.
ساد الصمت للحظة.
ثم أضاف بثقة:
— لا تستهينوا أبدًا بالطحين!
الخاتمة: أعظم محقق في المدينة!
في اليوم التالي، تصدّر سامي عناوين الصحف، وتلقى عشرات الاتصالات من أشخاص يريدون الاستعانة بخدماته. حتى رئيس البلدية دعاه إلى حفل تكريم رسمي.
وقف سامي على المنصة أمام مئات الأشخاص، مرتديًا معطفه الطويل وقبعته الشهيرة.
قال رئيس البلدية:
— لقد أثبت المحقق سامي أن الذكاء والملاحظة والإصرار يمكن أن تصنع المعجزات!
صفق الجمهور بحرارة.
صعد سامي إلى المنصة، وتسلم ميدالية ذهبية، ثم اقترب من الميكروفون وقال:
— أشكركم جميعًا. أود أن أوجه نصيحة لكل من يريد أن يصبح محققًا ناجحًا: لا تتوقفوا عن البحث، ولا تثقوا بأحد، وخصوصًا الكراسي!
ضحك الحضور، وظنوا أنه يمزح.
بعد الحفل، عاد سامي إلى مكتبه ليجد رجلًا ينتظره.
قال الرجل بقلق:
— أيها المحقق، لقد اختفت سيارتي!
جلس سامي خلف مكتبه، وأخرج دفتره، ثم سأل بجدية:
— متى رأيتها للمرة الأخيرة؟
— قبل عشر دقائق، أمام المبنى.
دوّن سامي المعلومة، ثم نهض وأخذ عدسته المكبرة.
خرج الرجل معه إلى الشارع، وأشار إلى المكان الذي كانت السيارة متوقفة فيه.
تأمل سامي الأرض، ثم نظر إلى الرجل، ثم إلى الطريق، وقال بصوت واثق:
— لقد عرفت ما حدث!
اتسعت عينا الرجل.
— حقًا؟! أين سيارتي؟!
أشار سامي إلى موقف السيارات المجاور وقال:
— هناك، خلف تلك الشاحنة!
ركض الرجل إلى المكان، ثم عاد بعد لحظات وهو يضحك من شدة الإحراج. فقد كانت سيارته متوقفة هناك بالفعل، لكنه نسي أين وضعها.
أما سامي، فعاد إلى مكتبه وكتب في سجل إنجازاته:
«القضية رقم 247: استعادة سيارة مسروقة خلال ثلاث دقائق».
ثم أغلق الدفتر، وأسند ظهره إلى الكرسي، وقال بفخر:
— يبدو أنني أصبحت عبقريًا حقًا!
وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا من خارج المكتب:
— أيها المحقق! هناك شخص سرق لافتتك!
قفز سامي من كرسيه، واندفع نحو الباب، لكنه تعثر بمعطفه وسقط على وجهه.
وعندما نهض، نظر إلى اللافتة التي كانت لا تزال معلقة في مكانها، ثم تمتم:
— اللص ذكي جدًا... لقد سرقها دون أن يأخذها!
وهكذا استمر سامي في حل القضايا التي لم تكن تحتاج إلى حل أصلًا، حتى أصبح أشهر محقق في المدينة.