التفاصيل

قصة الطفل ياسين

قصة الطفل ياسين

الطفل ياسين

بقلم: رؤيا

كان هناك طفل جميل اسمه ياسين، وكان طفلًا فقيرًا، تختلف ظروف أسرته عن ظروف بعض أقاربه المحيطين به. وعلى الرغم من فقره، فقد نشأ في كنف أم طيبة القلب، كانت تحبه كثيرًا، وتحاول أن تجعل عالمه الصغير مليئًا بالمحبة والطمأنينة.
كانت أمه تحكي له دائمًا أشياء جميلة عن الأشخاص المحيطين به، وتحدثه عن طيبة قلوبهم ومواقفهم الحسنة، وخصوصًا عمته، التي كانت تحرص على أن تذكره بما فعلته من أجله، حتى يكبر وهو يشعر بأنه محاط بأشخاص يحبونه ويتمنون له الخير.

وفي يوم من الأيام، بينما كان ياسين يتجول بالقرب من بيته، وصلت إلى أنفه رائحة سمك شهي تأتي من ناحية بيت عمته.

فرح ياسين كثيرًا؛ فقد كان يحب السمك، وكانت رائحته الشهية كافية لتجعله يتخيل مذاقه اللذيذ. اتجه نحو عمته مسرعًا، وجلس بجانبها بينما كانت تنتهي من طهي السمك.

ظل يتأمل السمك بشوق، ثم رفع رأسه إليها وقال ببراءة:

— عمتي، أريد قطعة من السمك.

أجابته عمته بصورة تلقائية، وهي منشغلة بما تفعله:
— السمك ليس كافيًا يا ياسين، لقد أحضرته خصيصًا لأسرتي، ولا أستطيع أن أعطيك منه

لم تكن تتوقع أن كلماتها البسيطة ستترك في نفس الطفل كل هذا الأثر، ولم تكن تدرك ما الذي يعنيه طلبه الصغير بالنسبة إليه.

أما ياسين، فقد تغير وجهه في ل

نهض مسرعًا، وغادر المكان، ثم أخذ يبكي في الشارع وهو في طريقه إلى أمه

ظل يبكي حتى وصل إليها، ثم أخذ يحكي لها ما حدث، متقطع الكلمات من شدة البكاء

— أمي، كنت أريد قطعة من السمك، لكن عمتي رفضت أن تعطيني منها

ثم انفجر في البكاء من جديد

كان يبكي بحرقة، ويلتقط أنفاسه بصعوبة، وكأن شيئًا بداخله قد انكسر. لم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد قطعة سمك حُرم منها، بل كانت خيبة أمل لم يعرف كيف يفهمها أو يتعامل معها

احتضنته أمه، وأخذت تحاول تهدئته بكل ما تستطيع.

— اهدأ يا حبيبي، لا تبكِ هكذا.

لكنه استمر في البكاء، وكأن الكلمات لا تصل إليه، وكأن حزنه أكبر من أن يحتويه صوت أمه وحده.

انتظرت حتى استطاع أن يهدأ قليلًا، ثم بدأت تحدثه برفق:

— يا ياسين، إن عمتك تحبك كثيرًا، لكن هذا لا يعني أنها تستطيع أن تعطيك كل شيء تطلبه. أحيانًا تكون لدى الناس أسباب تجعلهم يرفضون بعض الطلبات، وهذا لا يعني أنهم يكرهوننا.

ثم أخذت تذكره ببعض المواقف الجميلة التي فعلتها عمته من أجله، محاولة أن تساعده على تذكّر محبتها، وألا يجعل من هذا الموقف وحده دليلًا على أنها لا تحبه.

لكن ياسين لم يستطع أن يتجاوز حزنه بسهولة. ظل يبكي حتى غلبه النوم بجوار أمه.

نظرت إليه أمه وهو نائم، وقد هدأ جسده الصغير بعد كل ذلك البكاء، لكنها كانت قلقة. خشيت أن يستيقظ فيعود إلى البكاء من جديد، وأن يظل هذا الموقف يؤلمه لأنه لم يستطع فهمه.

أخذت تفكر فيما يمكنها فعله لتخفف عنه، حتى قررت أن تذهب إلى السوق وتشتري سمكة له.

جمعت كل ما لديها من مال، ثم خرجت إلى السوق، واشترت سمكة، وبعد ذلك اتجهت إلى بيت عمة ياسين.

طرقت الباب، وحين قابلتها عمته، قالت لها:

— أريد أن أشوي هذه السمكة عندك، وأتمنى أن تتولي أنتِ شواءها، ثم ترسليها معي إلى البيت.

استغربت العمة طلبها، لكنها وافقت.

عادت الأم إلى بيتها، وراحت تنتظر وصول السمكة، متمنية أن يتمكن ابنها من نسيان حزنه، وأن يعود إلى ابتسامته المعتادة.

وبعد قليل، أرسلت العمة أحد أبنائها إلى بيت ياسين ومعه السمكة التي طلبت أمه شواءها.

استقبلت الأم ابنة عمة ياسين، ثم سألتها:

— ألا تودين رؤية ياسين؟

أجابتها الفتاة:

— بلى، أود أن أراه.

ابتسمت الأم وقالت:

— حسنًا، سأوقظه من أجلك.

ذهبت إلى ابنها وأيقظته برفق. استيقظ ياسين، وجلس مع ابنة عمته قليلًا، بينما كانت أمه تراقبه في هدوء، سعيدة بأنه بدأ يستعيد نشاطه.

وحين غادرت ابنة عمته البيت، اقتربت الأم منه، وأعطته السمكة، ثم قالت له:

— انظر يا حبيبي، لقد أرسلت لك عمتك هذه السمكة من أجلك. لا ينبغي أن تحزن بعد الآن. عمتك تحبك كثيرًا، وحتى لو لم تعطك قطعة من السمك في ذلك اليوم، فهذا لا يعني أنها لا تحبك.

ما إن رأى ياسين السمكة حتى تبدلت ملامحه، وامتلأ وجهه بالفرح.

أخذ يتأملها بسعادة، ثم بدأ يأكل منها، وقال لأمه:

— نعم، أنا أحب عمتي! لم أكن أصدق أنها رفضت أن تعطيني قطعة من السمك، لكنني سعيد جدًا الآن!

عاد الفرح إلى قلبه، وكأن شيئًا لم يحدث. خرج ليلعب في الشارع، وعاد إلى حياته البسيطة، مستمتعًا بيومه، وقد نسي الحزن الذي ملأ قلبه قبل ساعات.

أما أمه، فكانت تشعر بمشاعر متداخلة.

كانت سعيدة لأنها استطاعت أن تهدئ ابنها، وأن تعيد الابتسامة إلى وجهه، وأن تجد حلًا لمشكلته من دون أن تحرج عمته أو تضعها في موقف سيئ.

لكن في داخلها، كان هناك حزن لم تستطع تجاهله.

فهي لم تكن تريد أن يحرم ياسين من السمك فحسب، بل كانت تتمنى لو أن عمته استطاعت أن تفهم مشاعره، وأن تدرك أن الأمر بالنسبة إليه لم يكن مجرد طعام، بل كان طلبًا صغيرًا خرج من قلب طفل يحبها ويثق بها.

جلست الأم تفكر في ابنها، وفي الطريقة التي رأى بها الموقف، ثم قالت في نفسها:

«إن الأطفال أبرياء إلى حد بعيد. يظنون أن الأشخاص الذين يحبونهم لن يخذلوهم أبدًا، ولن يؤذوهم، ولن يكونوا يومًا سببًا في حزنهم. يظنون أن المحبة تعني أن يجدوا دائمًا الأبواب مفتوحة، وأن تمتد إليهم الأيدي كلما طلبوا شيئًا من أصحابها.

لكنهم لا يعرفون بعد أن المحبة لا تمنع الإنسان من الرفض، وأن من يحبنا قد يعجز أحيانًا عن تلبية رغباتنا، وقد يؤلمنا من دون أن يقصد، بل قد يخذلنا أحيانًا من دون أن يدرك حجم ما فعله بنا».

صمتت قليلًا، ثم تابعت:

«نحن الكبار تعلمنا أن الألم قد يأتي أحيانًا من الأشخاص الذين نحبهم، ومن الأماكن التي نشعر فيها بالأمان، بل ومن أولئك الذين كنا نظن أنهم لن يكونوا يومًا سببًا في وجعنا.

تعلمنا أن المحبة لا تعني أن كل شيء سيكون كما نريد، وأن الحياة لا تسير دائمًا بالطريقة التي نتوقعها».

نظرت إلى ياسين، الذي كان يلعب في الخارج ببراءة، وكأن قلبه لم يعرف الحزن قبل ساعات.

تمنت لو استطاعت أن تحميه من كل ألم، وأن تبقي قلبه نقيًا كما هو، وألا يضطر يومًا إلى تعلّم الدروس التي تعلمها الكبار من تجاربهم القاسية.

ثم تنهدت بحزن، وقالت في نفسها:

«ليتنا جميعًا بقينا أطفالًا، لا نعرف معنى الوجع والخذلان».