الطفل الذي عاد من النار · الجزء ٤
قصة الطفل الذي عاد من النار ج4
الجزء الرابع: الحقيقة المدفونة
حصريًا على منصة قصص
القصة
كان آدم يظن أن أسوأ ما يمكن أن يحدث له هو أن يفشل في الانتقام.
لكنه لم يكن يعلم أن الرصاصة التي لم يطلقها قد فتحت بابًا إلى ماضٍ لم يعرف عنه شيئًا.
وأن الرجل الذي قضى خمسة عشر عامًا يحلم بقتله...
كان يعرف عنه أكثر مما يتخيل.
1. الرجل الذي يعرف اسمه
في الثانية بعد منتصف الليل، كان آدم جالسًا في شقته، يحدق في صورة فارس المعلقة أمامه.
لم يستطع إخراج جملة واحدة من رأسه.
«لقد كبرت يا آدم...»
كيف عرف فارس اسمه؟
لم يكن قد رآه عن قرب منذ طفولته، ولم يترك آدم أي أثر يمكن أن يقوده إليه.
ومع ذلك، لم يبدُ الرجل متفاجئًا.
بل بدا وكأنه كان ينتظره.
رن هاتف آدم فجأة.
رقم مجهول.
تردد للحظة، ثم أجاب.
جاءه صوت رجل مسن، متقطع الأنفاس:
«إذا كنت تريد معرفة من قتل والديك حقًا، فعليك أن تأتي وحدك.»
اعتدل آدم في جلسته.
«من أنت؟»
صمت الرجل قليلًا، ثم قال:
«اسمي نادر. كنت أعمل مع فارس قبل خمسة عشر عامًا. وهناك شيء أخفاه عنك طوال هذه السنوات.»
«ما هو؟»
«والدك لم يكن الرجل الذي تتخيله... وفارس لم يكن وحده تلك الليلة.»
انقطع الاتصال.
ظل آدم ممسكًا بالهاتف، بينما تسارعت الأفكار في رأسه.
للمرة الأولى، لم يشعر بالغضب وحده.
شعر بالخوف.
ليس من فارس...
بل من احتمال أن تكون حياته كلها مبنية على كذبة.
2. الشاهد الأخير
في صباح اليوم التالي، توجه آدم إلى مستودع مهجور عند أطراف المدينة.
كان المكان محاطًا بأسوار صدئة، والنوافذ مغطاة بالغبار، والريح تصفر بين الأبواب المعدنية.
وجد الباب نصف مفتوح.
دخل بحذر.
«نادر؟»
جاءه صوت من الظلام:
«أغلق الباب خلفك.»
ظهر رجل في أواخر الستينيات، بلحية بيضاء ووجه أنهكته السنوات. كان يستند إلى عصا خشبية، وفي يده حقيبة جلدية قديمة.
حدق في آدم طويلًا.
ثم قال بصوت مرتجف:
«أصبحت تشبه أباك كثيرًا.»
شعر آدم بأن قلبه توقف للحظة.
«كنت تعرف أبي؟»
أومأ نادر.
«كنت أعرفه أكثر مما ينبغي... ولهذا السبب عشت خمسة عشر عامًا وأنا أهرب من ماضيّ.»
اقترب آدم منه.
«أريد الحقيقة. من قتل والديّ؟»
خفض نادر عينيه.
«الرجل الذي رأيته يطلق النار على أمك هو فارس. لن أكذب عليك بشأن ذلك.»
اشتعل الغضب في عيني آدم.
لكن نادر رفع يده بسرعة.
«انتظر! هناك شيء لا تعرفه. في تلك الليلة، لم يكن فارس في منزلكم من أجل المال، ولا بسبب خلاف عابر. كان يبحث عن شيء أخفاه والدك.»
«ما هو؟»
فتح نادر الحقيبة وأخرج ملفًا قديمًا، تآكلت أطراف أوراقه.
«أدلة على عملية سرية نُفذت قبل خمسة عشر عامًا. عملية مات فيها أبرياء، ثم اتُّهم آخرون بارتكاب جرائم لم يرتكبوها. والدك اكتشف الحقيقة، وكان يستعد لكشفها.»
قلب آدم صفحات الملف بسرعة.
أسماء.
تواريخ.
توقيعات.
وتقرير يحمل ختمًا عسكريًا.
ثم توقف عند صورة قديمة.
كان والده يقف بجانب فارس، وكلاهما يرتدي الزي العسكري.
تراجع آدم خطوة.
«هذا مستحيل... أبي لم يكن عسكريًا.»
أجابه نادر:
«لم يخبرك والدك بكل شيء عن حياته. لقد ترك الماضي خلفه، وتزوج أمك، وحاول أن يبدأ من جديد. لكنه لم يستطع الهرب من الذين خافوا مما يعرفه.»
نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.
«ولماذا تركني فارس حيًا؟»
ارتجفت يد نادر وهو يغلق الملف.
«لأن والدك طلب منه ذلك.»
ساد صمت ثقيل.
شعر آدم أن الأرض تميد تحت قدميه.
«ماذا قلت؟»
اقترب نادر منه وقال:
«قبل أن يموت أبوك، أخبر فارس أن يأخذ كل ما يريد، مقابل أن يتركك حيًا. لكن فارس لم يستطع الوفاء بوعده بالطريقة التي تتخيلها.»
تراجع آدم، وقد امتلأت عيناه بالدموع التي حاول حبسها طوال سنوات.
«أنت تقول إن أبي توسّل إلى قاتله كي يتركني حيًا؟»
«كان يحاول إنقاذك.»
ضرب آدم الحائط بقبضته.
«كان يجب أن يخبرني أحد! خمسة عشر عامًا! خمسة عشر عامًا وأنا أعيش من أجل قتل ذلك الرجل!»
لم يرد نادر.
لأنه لم يكن يملك كلمات يمكنها إعادة خمسة عشر عامًا إلى صاحبها.
3. الملف الذي اختفى
بينما كان آدم يقلب الأوراق، سقطت من الملف قصاصة صغيرة.
التقطها.
كان عليها عنوان، وتحت العنوان جملة مكتوبة بخط والده:
«إذا حدث لي شيء، فابحثوا عن الحقيقة في المكان الذي بدأ منه كل شيء.»
وفي أسفل الورقة، وجد تاريخًا واسمًا واحدًا:
العقيد سليم.
سأل آدم:
«من هذا؟»
تغير وجه نادر فجأة.
«لا تنطق بهذا الاسم خارج هذا المكان.»
«لماذا؟»
نظر نادر إلى الباب، ثم اقترب منه وهمس:
«لأن فارس لم يكن صاحب القرار في تلك العملية. كان ينفذ الأوامر. الرجل الذي أصدرها ما زال حيًا، وما زال يتمتع بنفوذ أكبر مما تتصور.»
شعر آدم ببرودة تسري في جسده.
«هل تقصد أن فارس ليس المسؤول الوحيد؟»
«أقصد أن موته لن يمنحك الإجابة التي تبحث عنها.»
قبل أن يتمكن آدم من طرح سؤال آخر، دوّى صوت ارتطام قوي خارج المستودع.
تجمد نادر.
ثم همس:
«لقد وجدونا.»
انطفأت الأنوار.
وسُمع صوت أبواب السيارات وهي تُغلق في الخارج.
أمسك نادر بذراع آدم ودفع إليه الملف.
«خذ هذا واخرج من الباب الخلفي. لا تثق بأحد، ولا تعد إلى شقتك.»
«وماذا عنك؟»
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
«لقد أمضيت خمسة عشر عامًا أهرب. حان الوقت لأتوقف.»
رفض آدم تركه، لكن نادر دفعه نحو الممر الخلفي.
«اذهب! إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة، فعليك أن تبقى حيًا.»
ركض آدم بين الممرات الضيقة حتى خرج إلى الشارع الخلفي.
وبعد لحظات، سمع أصواتًا مرتفعة أعقبها صوت إطلاق نار.
توقف مكانه.
التفت نحو المستودع.
لكنه لم يعد.
كان يعلم أن العودة قد تعني موته، وأن الملف الذي يحمله أصبح الشيء الوحيد الذي يربطه بالحقيقة.
تابع الركض حتى اختفى بين شوارع المدينة.
4. أمر من القمة
في صباح اليوم نفسه، دخل فارس إلى مكتب واسع تحيط به صور القادة العسكريين.
كان رجل في أواخر الستينيات يجلس خلف المكتب، يرتدي بدلة رسمية داكنة.
العقيد سليم.
رفع الرجل عينيه عن الأوراق.
«هل ظهر الفتى؟»
أجاب فارس بهدوء:
«نعم.»
«وهل تخلصت من المشكلة؟»
صمت فارس لثوانٍ.
«لم أفعل.»
ضرب سليم المكتب بيده.
«بعد خمسة عشر عامًا من إخفاء الحقيقة، تريد أن تسمح له بتدمير كل شيء؟»
نظر فارس إليه مباشرة.
«لقد كبر. ومن حقه أن يعرف.»
نهض سليم ببطء.
«لا يوجد شيء اسمه حق، فارس. هناك أشياء يجب أن تبقى مدفونة، مهما كان الثمن.»
اقترب منه حتى أصبح على الجانب الآخر من المكتب.
«استمع إلي جيدًا. إذا وصل ذلك الملف إلى الصحافة، فلن تسقط أنت وحدك. ستسقط أسماء كثيرة، وستُفتح ملفات ظننا أنها ماتت إلى الأبد.»
لم يرد فارس.
لكن عينيه تغيرتا.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن يبدو كقائد عسكري لا يعرف الخوف.
بل كرجل أدرك أن الماضي الذي حاول دفنه عاد ليطالبه بالحساب.
قال سليم ببرود:
«أريد آدم حيًا. أما الملف، فأريده قبل غروب الشمس.»
توقف لحظة، ثم أضاف:
«وإذا اضطررت إلى الاختيار بينه وبين الحقيقة... فلا تتردد هذه المرة.»
خرج فارس من المكتب دون أن يجيب.
وفي الممر، أخرج هاتفه واتصل برقم محفوظ منذ سنوات.
عندما جاءه الرد، قال جملة واحدة:
«يجب أن نصل إليه قبل سليم.»
5. الرسالة الأخيرة
في مكان بعيد عن المدينة، فتح آدم الملف مرة أخرى.
كان يشعر بالتعب، لكن النوم لم يكن خيارًا.
قرأ الصفحات بعناية، حتى وصل إلى ظرف صغير ملتصق بآخر ورقة.
كان مكتوبًا عليه بخط يد يعرفه جيدًا، رغم أنه لم يره منذ طفولته:
«إلى ابني آدم، إذا قرأت هذه الرسالة يومًا.»
ارتجفت أصابعه.
فتح الظرف ببطء.
وفي الداخل، وجد رسالة قصيرة:
«ابني الحبيب،
إذا وصلت إليك هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك من الحقيقة.
قد تكبر وأنت تظن أن العالم ينقسم إلى أشرار وأبرياء، لكنني أريدك أن تعرف أن بعض القرارات الخاطئة تبدأ بخوف، وبعض الجرائم تُرتكب باسم الواجب.
لا تجعل غضبك يختار عنك.
هناك أشخاص سيحاولون إقناعك بأن الانتقام هو الطريق الوحيد، لأنهم يخشون أن تبحث عن الحقيقة بنفسك.
إذا أردت أن تعرف ما حدث لنا، فابحث عن التسجيل الذي أخفيته قبل تلك الليلة.
ولا تثق بالرجل الذي يحمل الخاتم الفضي... حتى لو جاءك معتذرًا.»
توقفت أنفاس آدم.
الخاتم الفضي.
الرجل الذي قتل أمه كان يرتديه.
لكن الرسالة لم تقل إن فارس هو صاحب الخاتم.
بل حذرت من رجل آخر قد يأتي معتذرًا.
قلب آدم الورقة.
وجد في ظهرها رمزًا صغيرًا ورقمًا مكتوبًا بقلم باهت.
وتحتهما عبارة أخيرة:
«الحقيقة ليست في الملف... بل في الصوت الذي لم يسمعه أحد.»
رفع آدم رأسه ببطء.
للمرة الأولى منذ خمسة عشر عامًا، لم يفكر في كيفية قتل فارس.
بل في كيفية الوصول إلى التسجيل.
أخرج هاتفه واتصل بسامر.
«أحتاج إلى مساعدتك.»
جاءه صوت صديقه متوترًا:
«أين أنت؟ هناك رجال يسألون عنك في الحي.»
«لا تعد إلى الشقة. اسمعني جيدًا... أريدك أن تبحث عن كل ما تستطيع معرفته عن العقيد سليم.»
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثم قال سامر بصوت خافت:
«آدم... هناك شيء يجب أن أخبرك به.»
«ماذا؟»
تردد سامر طويلًا قبل أن يجيب:
«وصلني اتصال قبل ساعة. رجل قال إنه يعرف ما حدث لوالديك، وإنه يريد مقابلتي.»
شعر آدم بأن قلبه يضرب بعنف.
«من هو؟»
قال سامر:
«لم يذكر اسمه. لكنه قال إن لديه التسجيل الأصلي.»
ثم أضاف جملة جعلت آدم ينهض من مكانه:
«وقال إن فارس لم يقتل أمك.»
تجمد آدم.
«ماذا؟ لقد رأيته!»
أجابه سامر بصوت مرتجف:
«قال إنك رأيت الرجل الخطأ... وإن الرجل الذي أطلق الرصاصة ما زال قريبًا منك أكثر مما تتصور.»
انقطع الاتصال فجأة.
نظر آدم إلى الهاتف.
ثم إلى الرسالة.
ثم إلى صورة والده.
في الخارج، توقفت سيارة سوداء أمام المبنى الذي يختبئ فيه.
فُتح بابها ببطء.
ونزل منها رجل يرتدي معطفًا أسود.
في يده خاتم فضي.
رفع الرجل رأسه نحو النافذة التي يقف خلفها آدم، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا.
قال بهدوء:
«وجدته.»
صمت قليلًا.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
«هذه المرة... لن ينجو أحد.»
نهاية الجزء الرابع...
يتبع في الجزء الخامس: الرجل ذو الخاتم الفضي.