التفاصيل

قصة الأب الذي تظاهر بالنسيان

قصة الأب الذي تظاهر بالنسيان

يقال إن الأبناء يكبرون وينشغلون بحياتهم، لكن الآباء لا يكبرون في أعين أبنائهم إلا حين يصبحون بحاجة إلى الرعاية. فالأب الذي قضى عمره يحمي أبناءه من قسوة الحياة، قد يجد نفسه يومًا وحيدًا أمام أبوابهم المغلقة، ينتظر منهم دقائق من الاهتمام بدلًا من سنوات التضحية التي قدمها لهم.

وهذه حكاية أب عجوز قرر أن يخوض تجربة غريبة، لا ليعاقب أبناءه، بل ليعرف من بينهم من لا يزال يحمل في قلبه حبًا صادقًا له.
القصة
في أحد الأحياء القديمة، عاش رجل مسن يُدعى عبد الرحمن، أفنى عمره في العمل من أجل تربية أبنائه الثلاثة: خالد، وسامي، ومريم.

كان عبد الرحمن يعمل نهارًا في متجر صغير، ويعود مساءً متعبًا، لكنه لم يكن يسمح للتعب بأن يمنعه من الجلوس مع أطفاله. كان يحرم نفسه من أشياء كثيرة حتى يوفر لهم أفضل ما يستطيع، ويقول لزوجته دائمًا:

— لا أريد منهم شيئًا حين أكبر، يكفيني أن أراهم سعداء، وأن أكون مطمئنًا إلى أنهم لن يحتاجوا إلى أحد.

مرت السنوات، وكبر الأبناء، وتزوج اثنان منهم، وانتقلوا إلى منازلهم الخاصة، بينما انشغلت مريم بعملها وحياتها. أما عبد الرحمن، فقد توفيت زوجته، وبقي وحيدًا في المنزل الذي شهد أجمل سنوات عمره.

في البداية، كان أبناؤه يزورونه بين الحين والآخر، ثم أصبحت الزيارات أقصر، والمكالمات أقل، والأعذار أكثر.

كان خالد يقول إنه مشغول بعمله، وكان سامي يعتذر بسبب مسؤوليات أطفاله، أما مريم فكانت تعده بزيارة قريبة لا تأتي أبدًا.

لم يكن عبد الرحمن يطلب منهم المال، فقد كان يملك ما يكفيه من مدخراته، لكنه كان يشتاق إلى جلسة عائلية، وإلى صوت أحد أبنائه يسأله عن صحته، وإلى يد تربت على كتفه كما كان يفعل معهم حين كانوا صغارًا.

وذات مساء، جلس أمام صورة زوجته وقال بحزن:

— لقد كبروا يا أم خالد، لكنني لا أعرف متى أصبح وجودي في حياتهم أمرًا يمكن تأجيله دائمًا.

ومع مرور الأيام، خطرت له فكرة غريبة.

قرر أن يتظاهر بأنه بدأ يفقد ذاكرته.

لم يكن يريد خداع أبنائه بدافع الانتقام، وإنما أراد أن يعرف إن كانوا سيعاملونه بالرحمة حين يصبح ضعيفًا، أم أن مكانته في قلوبهم قد انتهت بمجرد أن انتهت حاجتهم إليه.

بدأ الأمر بمكالمة هاتفية مع ابنه خالد.

قال عبد الرحمن بصوت مرتبك:

— خالد، يا بني، هل تستطيع أن تأتي إليّ اليوم؟ لقد نسيت بعض الأشياء، وأشعر أن ذاكرتي لم تعد كما كانت.

أجابه خالد بسرعة:

— أبي، ربما لأنك متعب. سأمر عليك في نهاية الأسبوع، لدي اجتماع مهم الآن.

انتظر عبد الرحمن نهاية الأسبوع، لكن خالد لم يأتِ.

اتصل به مرة أخرى، فسأله خالد بضيق:

— أبي، ألم أقل لك إنني سأحضر عندما أجد وقتًا؟ لا تقلق نفسك كثيرًا.

أغلق عبد الرحمن الهاتف، ووضعه بجانبه، ثم نظر إلى الباب طويلًا.

كان ينتظر أن يسمع طرقاته، لكنه لم يسمع شيئًا.

بعد أيام، زاره ابنه سامي. استقبله عبد الرحمن بفرح، لكنه تعمد أن يناديه باسم أخيه.

قال سامي مستغربًا:

— أبي، أنا سامي، ألا تعرفني؟

نظر إليه عبد الرحمن قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة مرتبكة:

— سامي؟ نعم، نعم، تذكرتك. سامحني يا بني، يبدو أنني أنسى كثيرًا هذه الأيام.

جلس سامي دقائق معدودة، ثم بدأ يتحدث عن صعوبة الاعتناء بكبار السن، وعن ضرورة البحث عن شخص يساعد والده في المنزل.

قال عبد الرحمن بهدوء:

— وهل ستأتي أنت لزيارتي إذا أحضرنا شخصًا يساعدني؟

تردد سامي، ثم أجاب:

— بالطبع يا أبي، لكنك تعرف أن لدي مسؤوليات كثيرة.

غادر سامي، وبقي عبد الرحمن ينظر إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه ابنه.

لم يكن يريد خادمًا ولا مالًا، بل كان يريد ابنه نفسه.

أما مريم، فقد جاءت بعد أيام، تحمل كيسًا من الطعام وبعض الأدوية. وحين دخلت المنزل، وجدته يجلس قرب النافذة، ينظر إلى الشارع بصمت.

اقتربت منه وقالت:

— أبي، كيف حالك اليوم؟

نظر إليها طويلًا، ثم سألها:

— هل أنتِ ابنتي؟

تجمدت مريم في مكانها، وامتلأت عيناها بالدموع.

جلست بجانبه، وأمسكت يده، وقالت:

— نعم يا أبي، أنا مريم. ابنتك التي كنت تحملها بين ذراعيك عندما كانت تخاف من الظلام.

لم يجبها.

فواصلت حديثها وهي تبكي:

— أتذكر يا أبي حين كنت تنتظرني أمام المدرسة تحت المطر لأنني نسيت مظلتي؟ وكنت تقول لي إنني أغلى من أن أترك وحدي؟

ارتجفت يد عبد الرحمن بين يديها، لكنه ظل صامتًا.

قضت مريم ساعات معه، أعدت له الطعام، ورتبت غرفته، وجلست تقرأ له من كتاب قديم كان يحبه. وعندما حان وقت رحيلها، قبّلت جبينه وقالت:

— سأعود غدًا يا أبي، ولن أتركك وحدك.

وللمرة الأولى منذ مدة طويلة، شعر عبد الرحمن أن منزله لم يعد باردًا كما كان.

لكن المفاجأة لم تنتهِ هنا.

في اليوم التالي، عادت مريم بالفعل، ومعها حقيبة صغيرة. أخبرته أنها ستبقى معه عدة أيام حتى تطمئن إلى صحته. لم تسأله عن المال، ولم تتحدث عن الميراث، ولم تشترط أن يعتني بها أحد مقابل ما تفعله.

وبعد أيام قليلة، اجتمع الأبناء الثلاثة في منزل والدهم بعدما أخبرهم سامي أن حالة أبيهم قد تكون أخطر مما توقعوا.

جلسوا في غرفة المعيشة، وبدأ خالد يتحدث عن ضرورة تعيين ممرض، بينما اقترح سامي أن ينتقل الأب إلى منزل أحدهم، بشرط أن يتقاسموا المسؤولية.

كانت مريم تستمع بصمت.

ثم قالت:

— لماذا نتحدث عن أبي وكأنه عبء نبحث عمن يحمله؟ لقد حملنا جميعًا حين كنا ضعفاء، ولم يسأل يومًا أيًّا منا عن الوقت الذي سنرد فيه جميله.

ساد الصمت.

خفض خالد رأسه، بينما حاول سامي الدفاع عن نفسه:

— نحن لا نقصد ذلك، لكن الحياة أصبحت صعبة، وكل واحد منا لديه مسؤولياته.

أجابته مريم:

— وأنا أيضًا لدي مسؤولياتي، لكنني لم أجد أبي يومًا يقول إنه مشغول عندما كنت أحتاج إليه.

في تلك اللحظة، نهض عبد الرحمن ببطء، واستند إلى عصاه، ثم وقف أمام أبنائه.

قال بصوت هادئ:

— اجلسوا، أريد أن أخبركم بشيء.

نظروا إليه بدهشة.

تابع:

— أنا لا أنسى أسماءكم، ولا أنسى وجوهكم، ولا أنسى الأيام التي حملتكم فيها بين ذراعيّ. لقد كنت أتظاهر بالنسيان لأعرف إن كنتم ستتذكرون أنني أبوكم عندما أحتاج إليكم.

شهقت مريم، واتسعت عينا خالد، بينما بقي سامي عاجزًا عن الكلام.

أكمل عبد الرحمن:

— لم أفعل ذلك لأعرف من منكم سيعطيني المال، فأنا لم أحتج إليه. أردت أن أعرف من سيجلس بجانبي عندما أعجز عن الحديث، ومن سيصبر على تكرار كلامي، ومن سيشعر أن وجودي في حياته نعمة، لا مسؤولية ثقيلة.

ثم نظر إلى خالد وسامي وقال:

— حين كنتما صغيرين، كنت أترك عملي وأعود إليكما إذا مرض أحدكما. لم أكن أفكر في خسارة يوم من الرزق، لأنني كنت أخاف أن أخسركما أنتما. أما اليوم، فأنا لا أطلب منكما أن تتركا حياتكما من أجلي، بل أن تجعلا لي مكانًا فيها.

انهمرت الدموع من عيني خالد، واقترب من والده وقبّل يده.

قال:

— سامحني يا أبي. كنت أظن أن توفير المال وإرسال الهدايا يكفيان، ولم أفهم أنني كنت أحرمك من الشيء الذي تحتاج إليه فعلًا.

أما سامي، فجلس على ركبتيه أمام أبيه وقال:

— سامحني. كنت أبحث دائمًا عن الوقت المناسب لزيارتك، وكأن عمرك ينتظر حتى أنتهي من مشاغلي.

لم يوبخهما عبد الرحمن، ولم يطلب منهما وعودًا كبيرة.

اكتفى بأن وضع يده على رأسيهما وقال:

— لا أريد أن تبكيا اليوم ثم تنسياني غدًا. أريد أن أراكما تأتيان لأنكما تشتاقان إليّ، لا لأنكما تخافان من الندم.

ومنذ ذلك اليوم، تغيرت أشياء كثيرة.

اتفق الأبناء على زيارته بانتظام، وأصبحت المكالمات اليومية عادة بينهم، وصار خالد يصطحبه في نزهة كل أسبوع، بينما كان سامي يجلس معه مساءً ليستمع إلى حكايات طفولته التي كان يظن أنه سمعها كلها من قبل.

أما مريم، فظلت تزوره كما كانت تفعل، لكنها لم تعد وحدها في حمل مسؤولية رعايته.

وبعد أشهر، جلس عبد الرحمن مع أبنائه إلى مائدة الطعام، فضحك وهو يروي لهم قصة قديمة عن شقاوتهم في الصغر.

قال سامي مازحًا:

— أبي، أتظن أنك ستنسى هذه القصة يومًا؟

ابتسم عبد الرحمن وقال:

— قد أنسى تفاصيل كثيرة عندما أكبر، لكنني أتمنى ألا أنسى أبدًا أنني جلست معكم اليوم.

ثم نظر إلى أبنائه الثلاثة، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن البيت عاد بيتًا بالفعل.

لم يكن يريد أن يستعيد شبابه، ولا أن يوقف الزمن، بل كان يريد فقط أن يعيش ما تبقى من عمره بين أشخاص يشعر معهم أنه ما زال مهمًا.
الخاتمة
ليس كل الآباء بحاجة إلى المال، وليس كل ما ينقصهم يمكن تعويضه بهدية أو اتصال سريع. أحيانًا، كل ما يحتاج إليه الأب هو أن يجد ابنه جالسًا بجانبه، يستمع إلى حديثه، ويمنحه من وقته ما يجعله يشعر بأنه لم يصبح غريبًا في حياة من أفنى عمره من أجلهم.

لقد ظن أبناء عبد الرحمن أن أباهم سيظل موجودًا دائمًا، وأن زياراتهم يمكن تأجيلها إلى الأسبوع المقبل، وأن الاعتذار المتكرر سيكفي لتعويض الغياب. لكنهم أدركوا متأخرين أن العمر لا ينتظر أحدًا، وأن بعض الفرص لا تتكرر.

العبرة من القصة: لا تؤجل بر والديك إلى الوقت الذي تصبح فيه رعايتهما واجبًا ثقيلًا أو يصبح فراقهما احتمالًا قريبًا. امنحهما من وقتك واهتمامك وهما بين يديك، فاليوم الذي تتمنى فيه لو جلست معهما خمس دقائق إضافية قد يأتي، ولا تجد فيه إلا الذكريات.

والسؤال الذي تتركه لنا هذه الحكاية هو: هل نعتني بوالدينا لأننا نحبهما فعلًا، أم لأننا نخشى الشعور بالذنب بعد رحيلهما؟