قصة ضد القانون ج3

في عالم التحقيق… لا يوجد ماضٍ يختفي فعلًا.
كل قضية تُغلق… تترك خلفها ظلًا.
وبعض الظلال… تنتظر.
بعد أن أصبح مطاردًا، لم يعد أمامه إلا أن يعود إلى الأماكن التي كان يتجنبها،
إلى الوجوه التي وضعها خلف القضبان،
إلى أخطاءٍ ظنّ أنها انتهت… لكنها لم تنسَ.
في هذا الملف، لن يواجه عدوًا واحدًا،
بل سيواجه ماضيه كاملًا.
لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه المحقق…
ليس مجرمًا مجهولًا،
بل شخصًا يعرفه جيدًا.
شخصًا… تعلّم منه.
القصة
ملف رقم 03 – أعداء الأمس
المدينة في الليل لا تنام…
بل تُخفي ما لا تريد أن يُرى.
كان آدم يسير في الأزقة الضيقة، بعيدًا عن الشوارع الرئيسية، حيث تقلّ الكاميرات… وتكثر الوجوه التي لا تُسأل.
لم يكن يركض، ولم يكن متوترًا.
بل كان يسير كما لو أنه يعود إلى مكان يعرفه جيدًا… رغم أنه لم يرد يومًا أن يعود إليه.
توقّف أمام بابٍ حديدي قديم، عليه آثار صدأ وخدوش عميقة.
طرق ثلاث طرقات… ثم انتظر.
ثانيتان.
خمس.
عشر.
ثم سُمِع صوت قفلٍ يُفتح من الداخل.
انفتح الباب قليلًا… وظهرت عين حذرة.
“من؟”
أجاب بهدوء:
“شخص كنتَ تتمنى ألا تراه مرة أخرى.”
تجمّدت العين للحظة… ثم اتسعت.
“مستحيل…”
فُتح الباب بالكامل.
وقف الرجل أمامه، يحدّق فيه كما لو أنه يرى شبحًا.
ثم تراجع خطوة إلى الخلف:
“أنت… المفروض تكون في السجن.”
دخل آدم دون دعوة، وأغلق الباب خلفه.
“وأنت… المفروض كنتَ قد تعلّمت الصمت.”
ساد توترٌ ثقيل في المكان.
الغرفة كانت مظلمة، تفوح منها رائحة تبغٍ قديم، وأصوات بعيدة تتسرّب من الشارع.
جلس الرجل ببطء، دون أن يرفع عينيه عنه.
“لماذا جئت؟”
اقترب آدم خطوة.
“لأنك رأيت شيئًا… في تلك الليلة.”
رفع الرجل رأسه فجأة.
“لا أعرف عمّا تتحدث.”
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
“دائمًا تبدأ بالكذب.”
صمت.
ثم أضاف، بنبرة أعمق:
“لكن هذه المرة… حياتي تعتمد على الحقيقة.”
مرّت لحظات ثقيلة.
ثم تنفّس الرجل ببطء، وقال:
“كنت هناك… نعم.”
اقترب آدم أكثر.
“ورأيت؟”
تردّد قليلًا… ثم قال:
“رأيت شخصًا.”
“صفه.”
“لم أستطع… كان في الظل.”
تجمّد آدم.
“لكن…”
رفع الرجل إصبعه قليلًا:
“طريقة وقوفه… كانت غريبة.”
اقترب آدم أكثر، وعيناه تضيقان:
“كيف؟”
نظر إليه الرجل مباشرة… وقال:
“كان يقف مثلك تمامًا.”
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل… كأنه يضغط على الجدران.
تراجع آدم خطوة إلى الخلف.
لم تكن هذه أول مرة يسمع هذا الوصف.
في ذهنه… بدأت القطع تتحرك.
بطء… ثم تسارع.
نفس الأسلوب.
نفس التفاصيل.
نفس الأخطاء… التي لا يعرفها إلا هو.
همس لنفسه:
“ليس تقليدًا…”
رفع رأسه ببطء.
“إنه تعلّم.”
“اسمع…” قال الرجل بتوتر، “أنا لا أريد مشاكل—”
قاطعه آدم بهدوء:
“لقد دخلت فيها منذ أن رأيت.”
ثم أضاف:
“هل رآك؟”
تردّد الرجل… ثم أومأ.
تغيّر وجه آدم.
“إذًا… لن يبقيك حيًا طويلًا.”
اتّسعت عينا الرجل.
“ماذا تقصد؟!”
لكن قبل أن يجيب—
سُمِع صوت خافت من الخارج.
خطوات.
توقّف الاثنان.
نظر آدم نحو الباب… ثم أطفأ الضوء بسرعة.
الظلام ابتلع الغرفة.
الخطوات اقتربت.
توقّفت… أمام الباب.
لم يتنفس أحد.
ثانية.
ثانيتان.
ثم…
طرقة واحدة.
بطيئة.
هادئة.
كأنها ليست طلبًا… بل إعلان.
نظر الرجل إلى آدم، وعيناه تمتلئان بالخوف.
همس:
“هل هو؟”
لم يُجب.
كان يحدّق في الباب… بثبات مخيف.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“وصل أسرع مما توقعت.”
الطرقة الثانية.
أقوى قليلًا.
ثم… صمت.
اقترب آدم ببطء من الرجل.
“استمع إليّ جيدًا.”
صوته كان هادئًا… لكن حادًا كالسلاح.
“إذا خرجت من هنا حيًا… لا تختفِ.”
“ماذا؟!”
“بل اظهر.”
“هذا جنون!”
“هو يبحث عنك… لأنه يعتقد أنك خائف.”
توقّف لحظة… ثم قال:
“أثبت له العكس.”
الطرقة الثالثة.
هذه المرة… الباب اهتزّ قليلًا.
تراجع آدم خطوة إلى الخلف.
ثم تحرّك نحو النافذة.
فتحها بهدوء.
قبل أن يخرج… توقّف.
نظر إلى الرجل للمرة الأخيرة.
وقال:
“إذا بقيت حيًا… سنتحدث مجددًا.”
ثم اختفى في الظلام.
بعد ثانيتين…
انفتح الباب ببطء.
دخل شخص.
ملامحه لم تكن واضحة.
لكن حضوره… كان كافيًا.
في الخارج، كان آدم يقف على سطح المبنى المقابل.
يراقب.
ينتظر.
لكن شيئًا في داخله… تغيّر.
هذه لم تعد مجرد قضية.
هذه… مطاردة بين عقلين.
واحد يعرف كل شيء عنه…
وآخر… بدأ يفهم.
همس لنفسه:
“إذا كنتَ تعتقد أنك تعرفني…”
توقّف.
وعيناه تلمعان في الظلام.
“فأنت لم ترَ شيئًا بعد.”
نهاية الملف 03…
والأقنعة… بدأت تسقط.



